14.35-37
قوله تعالى: ﴿ وإذ قال إبرهيم رب اجعل هذا البلد آمنا ﴾ يعني: مكة، آمنا من القتل والغارة. ويقال من الجذام والبرص ﴿ واجنبنى وبنى ﴾ وذلك أن إبراهيم لما فرغ من بناء البيت سأل ربه أن يجعل البلد آمنا، وخاف على بنيه. لأنه رأى القوم يعبدون الأصنام والأوثان. فسأل ربه أن يجنبهم عن عبادة الأوثان فقال ﴿ واجنبنى وبنى ﴾ يقول احفظني وبني ﴿ أن نعبد الأصنام ﴾ يعني: لكي لا نعبد. وفيه دليل أن المؤمن لا ينبغي له أن يأمن على إيمانه وينبغي أن يكون متضرعا إلى الله ليثبته على الايمان كما سأله إبراهيم لنفسه ولبنيه بهذا الإسلام وأخاف أن تنزعه مني. فما دام هذا الخوف معي رجوت ألا تنزعه مني ثم قال: ﴿ رب إنهن أضللن كثيرا من الناس ﴾ يقول: بهن ضل كثير من الناس. فكأن الأصنام سبب لضلالتهم فنسب الإضلال إليهن وإن لم يكن منهن عمل في الحقيقة. وقال بعضهم: كان الاضلال منهن لأن الشياطين كانت تدخل أجواف الأصنام وتتكلم فذلك الاضلال منهن ثم قال: ﴿ فمن تبعنى فإنه منى ﴾ يعني: من آمن بي فهو معي على ديني. ويقال فهو من أمتي ﴿ ومن عصانى ﴾ يعني لم يطعني ولم يوحدك ﴿ فإنك غفور رحيم ﴾ لمن تاب ثم قال تعالى: ﴿ ربنا إنى أسكنت من ذريتى ﴾ يعني: أنزلت بعض ذريتي وهو إسماعيل عليه السلام ﴿ بواد غير ذى زرع ﴾ يعني: بأرض مكة. وذلك أن لسارة كانت جارية يقال لها هاجر فوهبتها من إبراهيم فولدت منه إسماعيل فغارت سارة وناشدته أن يخرجها من أرض الشام فأخرجهما إبراهيم عليه السلام إلى أرض مكة ثم رجع إلى سارة فلما كبر إسماعيل رجع إبراهيم إليه وبنى معه البيت فذلك قوله ﴿ ربنا إنى أسكنت من ذريتى بواد غير ذى زرع ﴾ يعني: بأرض ليس فيها زرع ﴿ عند بيتك المحرم ﴾ يعني: حرم فيه القتال والاصطياد وأن يدخل فيه أحد بغير إحرام وغير ذلك ﴿ ربنا ليقيموا الصلاة ﴾ يعني: وفقهم ليتموا الصلاة. وإنما ذكر الصلاة خاصة لأنها أولى العبادات وأفضلها ﴿ فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم ﴾ يعني: تشتاق إليهم قال مجاهد: لو قال إبراهيم أفئدة الناس لزاحمتكم الروم وفارس ولكنه قال أفئدة من الناس. وقال سعيد بن جبير: لو قال إبراهيم أفئدة الناس لحجت اليهود والنصارى: ولكن قال أفئدة من الناس. ﴿ وارزقهم ﴾ يعني أطعمهم ﴿ من الثمرت لعلهم يشكرون ﴾ يعني: لكي يشكروا.