فلما دخل في صلاته قطعوا رجله فلم يشعر بها، ثم أخذوها وكفنوها فقال لهم: أعطوني إياها، فأمسك بها وقال: اللهم إن كنت قد ابتليت في عضو فقد عافيت في أعضاء. نعم، وهل الذي يغيب في معية الله يشعر بألم، ويجب أن نصدق بهذه الأخبار ولا نستبعدها، لأنه من أسرار الأذن أنك إذا أحكمت سدها لا تشعر بالألم، فإن حاولت وشعرت بشيء من الألم فاعلم أنك لم تحكم سدها تماما. ونداء الله أكبر هو الذي يخرجك من عمل الدنيا ويوقفك بين يدي الله، وهو تكبيرة الإحرام للدخول في الصلاة، سبق أن بينا أن معنى الله أكبر أن العمل والسعي يعتبر كبيرا، لكن الله أكبر، فلا يستهان أبدا بعمل الدنيا والسعي فيها واستنباط خيراتها، فالدنيا أهم من أن تنسى، ولكنها أحقر من أن تكون غاية. والمتتبع لقصة قوم عاد يجد أنها وردت في عدة سور، وردت هنا على وجه الإجمال والإيجاز، وجاء تفصيل هذه القصة في سورة هود. وفي سورة الحاقة فصل لقطة العذاب التي جاءت هنا، فقال سبحانه:
وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر عاتية * سخرها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما فترى القوم فيها صرعى كأنهم أعجاز نخل خاوية * فهل ترى لهم من باقية
[الحاقة: 6-8]. فالريح التي أهلكتهم ريح صرصر. يعني: شديدة لها صوت مزعج تأيتهم من أعلى في سبع ليال وثمانية أيام حسوما، والحسوم جمع حاسم فهي حاسمة يعني: حسمت الموقف وأنهت المسألة، فلم تبق لهم على شيء. فإن قلت: فلماذا قال:
سبع ليال وثمانية أيام..
[الحاقة: 7] مع أن العادة في التشريع أن الليالي تسبق الأيام، والزمن يدخل بليله لا بنهاره، بدليل أننا في رمضان نثبت دخوله بليله، فقبل أن نصوم نصلي القيام. لذلك جعلوها لغزا فقهيا: ما السنة التي تسبق الفرض؟ ويبدو أن العذاب نزل بهم في الصبح فاستقبل النهار وانتهى عند المغرب، وبذلك استمر سبع ليال وثمانية أيام. وقد وقف المستشرقون عند هذه الآية يعترضون على طريقة القرآن في تأنيث العدد مع المذكر، وتذكيره مع المؤنث
سبع ليال وثمانية أيام..
[الحاقة: 7] وقالوا: متى يلبس الذكران قلائد النسوان؟ ومتى تبرز ربات الحجال في عمائم الرجال؟ والقاعدة في علم النحو أن تأتي الأعداد من الثلاثة إلى التسعة على خلاف المعدود من حيث التذكير والتأنيث، ولهذا علة، فالأصل في الكلمة التذكير تقول كاتب، أما المؤنث فيحتاج إلى علامة تميزه فوضعوا له تاء التأنيث نقول كاتبة. فالتأنيث فرع التذكير، لذلك احتاج إلى ما يميزه، أما ألفاظ الأعداد من الثلاثة إلى التسعة فهي أصلا موضوعة على التأنيث نقول: ثلاثة أربعة خمسة. فلما جاء مع المذكر جاء على أصله، ومع المؤنث احتاج إلى علامة، فبدل أن يأتوا بعلامة أخرى قالوا بحذف العلامة الموجودة في المؤنث.
وهكذا أتى العدد مخالفا للمعدود في التذكير والتأنيث، فقال تعالى:
سبع ليال وثمانية أيام..
[الحاقة: 7]. ثم إن اليوم عند الفلكيين يحسب من الوقت إلى مثله من اليوم التالي، لذلك نراهم عند الساعة الواحدة بعد الظهر يقولون: الواحدة مساء. ونحن ما نزال في وسط النهار، وكذلك في الواحدة بعد منتصف الليل يقولون: الواحدة صباحا ونحن ما نزال في الليل. أما اليوم في التشريع، فمن طلوع الشمس إلى غروبها، والليل من غروب الشمس إلى طلوعها. نلاحظ أن هذه السورة جاءت ببعض اللقطات من القصة، لكن لها تفصيل في سورة سميت باسمه، هي سورة هود تعرضت لكثير من اللقطات التي لم ترد هنا. ففي هذه السورة ركز السياق على ثلاث لقطات أو مسائل، هي: الدعوة إلى عبادة الله وحده، ثم التحذير من عبادة غيره، لأنهم إن عبدوا غير الله عرضوا أنفسهم للعقاب، وهو أخوهم وحريص على نجاتهم، ثم ردوا عليه
أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا فأتنا بما تعدنآ إن كنت من الصادقين
[الأحقاف: 22]. أما سورة هود فقد زادت على ذلك لقطات أخرى، فقال تعالى هناك: