46.12
قوله تعالى: ﴿ ومن قبله.. ﴾ [الأحقاف: 12] من قبل القرآن ﴿ كتاب موسى.. ﴾ [الأحقاف: 12] التوراة ﴿ إماما ورحمة.. ﴾ [الأحقاف: 12] يعني: في زمنه وحال كونه إماما وقدوة يهتدون به ويؤدي إلى رحمة من تمسك به. ﴿ وهذا.. ﴾ [الأحقاف: 12] أي: القرآن ﴿ كتاب مصدق.. ﴾ [الأحقاف: 12] أي: للكتب السابقة كما جاءت من عند الله، وقبل أن تحرف أو تبدل، وفي موضع آخر بين سبحانه أن القرآن جاء مصدقا لهذه الكتب ومهيمنا عليها جميعا ﴿ لسانا عربيا.. ﴾ [الأحقاف: 12] بلسان عربي ﴿ لينذر الذين ظلموا.. ﴾ [الأحقاف: 12] يخوفهم عاقبة ظلمهم ﴿ وبشرى للمحسنين ﴾ [الأحقاف: 12] والبشرى: الأخبار بالخير قبل أوانه.
46.13
هذه الآية لها نظير في سورة فصلت:
إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون
[فصلت: 30]. نعم ﴿ فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون ﴾ [الأحقاف: 13] فأي خوف يصيبهم، وأي حزن ينزل بهم وقد قالوا هذه الكلمة ﴿ ربنا الله.. ﴾ [الأحقاف: 13] وهي لب العقيدة ثم لم يقولوها كلمة جوفاء، إنما قرنوها بالعمل بمقتضى هذا الإيمان. ﴿ ثم استقاموا.. ﴾ [الأحقاف: 13] أي: على أوامر العقيدة ونواهيها، ومعنى الاستقامة: السير على الطريق المستقيم الذي رسمه لك من آمنت به. وهذه الاستقامة تصلح لك حركة حياتك وحركة الآخرين معك، والاستقامة بمفهوم الهندسة هي أقصر الطرق التي توصلك إلى غايتك. لذلك قلنا: إن الهدى مطية تحملك وتوصلك، الهدى ليس عبئا على صاحبه بل أنت حمل عليه، يقول تعالى:
أولئك على هدى من ربهم..
[لقمان: 5] فهم يعتلون الهدى وهو يحملهم. إذن: من نطق بهذه الكلمة ﴿ ربنا الله.. ﴾ [الأحقاف: 13] ثم استقام عليها في حركة حياته ضمن الله له عدم الخوف وعدم الحزن، ولم يؤجله إلى الآخرة، بل جعله بشرى تبشرهم بها الملائكة في آية فصلت:
تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون
[فصلت: 30]. أي: تتنزل عليهم ساعة الموت تبشرهم وتطمئنهم، فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، الخوف توقع أمر يؤذي ويضر، والحزن الفجيعة والألم لفقد شيء محبوب، فهم في أمن من هذا وذاك. وما دام الأمر كذلك فلا تخافوا من أعدائكم فلن ينالوا منكم شيئا أبدا. لذلك كان عندهم قضية يقولونها لأعدائهم بشجاعة:
قل هل تربصون بنآ إلا إحدى الحسنيين ونحن نتربص بكم أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا فتربصوا إنا معكم متربصون
[التوبة: 52]. يعني: إن تواجهنا في قتال فنحن ننتظر أحد أمرين، إما أن ننتصر عليكم ونكسر شوكتكم ونذلكم، وإما أن نقتل فنظفر بالشهادة، فنحن رابحون على أي حال، أما أنتم فننتظر أن يصيبكم الله بعذاب من عنده أو بأيدينا، لذلك دخل المسلمون على هذه المسألة بثقة ويقين لا يخالطه شك.