تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم يطمئنهم الحق سبحانه وتعالى: ﴿ وعد الصدق الذي كانوا يوعدون ﴾ [الأحقاف: 16] فكأنهم لا يصدقون أن الله يعاملهم بكل هذا الفضل، فيذكرهم أن هذا وعد الله، ووعد الله وعد صدق لا يخلف أبدا، ولا يوجد من ينقضه أو يفسخ هذا الوعد. والحق سبحانه يعطي عباده كل هذه التسهيلات والإغراءات، فيقبل توبة التائبين ويعفو عن المسيئين، ويبدل سيئاتهم حسنات، لا لنجاة التائب وحده، وإنما لنجاة المجتمع كله، فلو لم تشرع التوبة لشقي المجتمع بكل عاص سد في وجهه بابها، ولاستشرى الشر وساد.

46.17

القرآن الكريم أعطانا عدة لقطات للوالدين مع الأولاد، وهذه اللقطات تختلف باختلاف الأحوال، ولأهمية هذه العلاقة بين الوالد والولد قرن الله الوصية بالوالدين بعبادته سبحانه، وأعطاها نفس الأهمية والقداسة. فقال سبحانه:

وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا..

[الإسراء: 23] لأن الوالد والولد هما الخلية الأساسية لبناء المجتمع، فإذا صلحت صلح المجتمع، وإذا فسدت فسد المجتمع، وصلاح هذه الخلية يقتضي منا أن نعلم منزلة الوالدين، وأنهما السبب المباشر في الوجود فلهما حق السببية في الإيجاد، يعني: لولاهما ما وجد الولد. وحين نبرهما ونحترمهما تكون دربة لنا على تعظيم واحترام الموجد الأول سبحانه والأصل الأصيل في المسألة. لذلك جاءت هذه الوصية عامة، لا فرق بين مؤمن وكافر، فالحق يوصي بالوالدين حتى إن كانا كافرين، لأنه تعالى رب الجميع يتكفل بالجميع حياة ورزقا وإقامة ، لأنه عبده وصنعته. وقلنا: يجب أن نلحظ الفرق بين الألوهية والربوبية: فالربوبية عطاء وتربية، والألوهية تكليف وتعبد بطاعة الأمر واجتناب النهي. فهو أيضا عطاء، لكن عطاء تكليفي بافعل ولا تفعل، عطاء لأن فائدته تعود على العبد ولا ينتفع الله منها بشيء، ولا تزيده طاعة الطائعين صفة لم تكن له سبحانه، ولا تسلبه معصية العاصين صفة ثابتة له سبحانه. فالله له صفات الكمال المطلق قبل أن يوجد هذا الخلق، لذلك نرى الإنسان حين يحزبه أمر لا يقدر عليه من أمور حياته يقول: يا رب، فيدعو بصفة الربوبية يعني يا رب، يا من تتولى رعايتي وتربيتي خذ بيدي وأعني. لكن إذا أراد أن يستعين على أمر تكليفي لله تعالى يقول: يا الله، يعني يا إلهي، يا من كلفتني أعني على طاعتك فيما كلفتني. إذن: الحكمة من التكليف لا تعود على الله إنما تعود على المكلف، والحق سبحانه يريد مجتمعا مؤمنا صالحا يبني ويعمر، ويكون على أحسن حال، كما تحث ولدك الصغير على المذاكرة وتقول له: إن نجحت سأشتري لك عجلة أو بدلة، فأنت تريد له الخير ولن تنتفع أنت بما ستشتريه له. لذلك ورد في الحديث القدسى:

" يا عبادي، إنكم لن تبلغوا نفعي فتنفعوني، ولن تبلغوا ضري فتضروني، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم، وحيكم وميتكم، وإنسكم وجنكم، وشاهدكم وغائبكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم، ما زاد ذلك في ملكي شيئا، ولو أن أولكم وآخركم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا. يا عبادي لو أن أولكم وآخركم.. اجتمعوا في صعيد واحد، فسألني كل واحد مسألته فأعطيتها له ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر. ذلك أني جواد ماجد، عطائي كلام، وعذابي كلام، إنما أمري لشيء إذا أردته أن أقول له: كن فيكون "

إذن: حظ التكليف صلاح المكلف. وقد أوضحنا هذه المسألة في بيان معنى قوله تعالى:

أولئك على هدى من ربهم..

[البقرة: 5] فكأن الهدى دابة ومطية تحمل المهتدي وتوصله إلى غايته التي يسعى إليها، فالهدي ليس حملا وليس ثقلا على صاحبه إنما معين له. والآية التي معنا ﴿ والذي قال لوالديه أف لكمآ.. ﴾ [الأحقاف: 17] تعطينا لقطة للوالدين حينما يكونان مؤمنين والولد غير مؤمن، وتصور لنا حرص الوالدين على نجاة الولد، كما رأينا مثلا في قصة سيدنا نوح وولده. وهذه الآية نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر وكان أبواه قد أسلما، وأبى هو أن يسلم، فكانا يدعوانه إلى الإيمان بالله والإيمان بالبعث، فيقول لهما: أين فلان؟ وأين فلان؟ ممن ماتوا في السابقين. ثم أسلم عبد الرحمن بعد ذلك وحسن إسلامه. وإن كانت هناك روايات عن السيدة عائشة أنها نفت ذلك، وقالت: إنما نزلت الآية في شخص آخر وذكرت اسمه. قوله تعالى: ﴿ والذي قال لوالديه.. ﴾ [الأحقاف: 17] أي: اذكر الذي قال لوالديه ﴿ أف لكمآ.. ﴾ [الأحقاف: 17] وأف اسم فعل مضارع بمعنى أتضجر، يقولون: فلان يتأفف. يعني: يقول أف ويظهر الضيق والضجر من شيء قذر أو منتن أو فعل لا يعجبك. وقوله ﴿ لكمآ ﴾ دل على غضبه منهما لأنها يلحان عليه. فقال: ﴿ أف لكمآ.. ﴾ [الأحقاف: 17] أنتما ليس بعيدا عنكما. لكن لماذا يتأفف؟ قالو: لأن الوالدين يلحان عليه أن يؤمن وهو لا يريد الإيمان، فلما أكثرا عليه تأفف، وقال: ﴿ أتعدانني أن أخرج.. ﴾ [الأحقاف: 17] يعني: أبعث بعد الموت، والهمزة هنا استفهام للتعجب أو الإنكار فهو ينكر البعث. ثم يأتي بالدليل الذي يؤيد وجهة نظره ﴿ وقد خلت القرون من قبلي.. ﴾ [الأحقاف: 17] أي: مضت القرون ومات كثيرون ممن سبق، ولم أر أحدا منهم قام من قبره. لكن من قال أن البعث سيكون في الدنيا، البعث موعده الآخرة بعد أن يموت الجميع ولا يبقى إلا الله. لكن الوالدين بعد أن سمعا هذا الكلام، ولمسا هذا التصميم على الكفر لم يجدا منقذا سوى الله فتوجها إليه: ﴿ وهما يستغيثان الله ويلك آمن.. ﴾ [الأحقاف: 17]. وهذا تصوير لطبيعة الوالدين وشدة حرصهما على نجاة الابن، فهما يتضرعان ويلحان على الابن أن يؤمن، وأن يذوق حلاوة الإيمان التي ذاقاها. وكلمة ﴿ ويلك آمن.. ﴾ [الأحقاف: 17] حث له على أن يؤمن، أو الويل لك إن لم تؤمن، ونلاحظ هنا أن الفعل يستغيث يتعدى بالباء فيقول: يستغيث فلان بالله، فلماذا حذف الباء وعدى الفعل بنفسه فقال: ﴿ يستغيثان الله.. ﴾ [الأحقاف: 17]. قالوا: هذا يدل على أنهما أمام أمر صعب، وأمام قلب قاس متحجر معاند، لا يقبل الدعوة ولا يستجيب لنداء الوالدين، ولا يقدر مشاعرهما.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٤٨٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٤٨٦