تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

46.15

قوله تعالى: ﴿ ووصينا الإنسان بولديه.. ﴾ [الأحقاف: 15] أمرناه بذلك وألزمناه به، والوصية أن تطلب ممن توصيه عملا خيرا يفيده في حياته وآخرته، ويعينه على آداء مهمته، لذلك تجد معظم الوصايا بالأمور المهمة تأتي في أخريات العمر، وكأنه يقول لأهله ولمن يوصيه: الحقوا خذوا مني نتيجة تجاربي في الحياة. وهذه المادة أتت في القرآن بلفظ: وصى وأوصى. وصى تفيد تكرار الفعل، كما في قوله تعالى: ﴿ ووصينا الإنسان بولديه.. ﴾ [الأحقاف: 15] وفي قوله تعالى:

ووصى بهآ إبراهيم بنيه ويعقوب..

[البقرة: 132]. أما أوصى فهي للتعدية، كما في قوله تعالى على لسان المسيح عليه السلام:

وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا

[مريم: 31] فهي مثل أنزل ونزل، وأنزل أي مرة واحدة، ونزل يعني تباعا. وكلمة ﴿ الإنسان.. ﴾ [الأحقاف: 15] وهو الموصى تفيد الإطلاق والعموم أي الإنسان على إطلاقه من آدم إلى قيام الساعة في اسم جنس تقابل في الخلق المختار كلمة الجن، نقول: الإنس والجن، الإنس يعني الإنسان من الأنس. يعني: يأنس بعضنا إلى بعض. أما الجن فلا أنس بيننا وبينه، لأننا لا نراهم ولا نتفق معهم في الطبيعة، قال تعالى:

إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم..

[الأعراف: 27]. إذن: هذه الوصية موجهة من الحق سبحانه للناس كافة وللإنسان عموما، فتشمل المؤمن والكافر، والكبير المكلف والطفل دون التكليف، فإن فعل بالوصية يثاب عليها، وإن تركها لا يعاقب. يمكن أن نقيس هذه المسألة على الصلاة، ففي الحديث الشريف قال صلى الله عليه وسلم:

" مروا أولادكم بالصلاة لسبع، واضربوهم عليها لعشر ".

إذن: الأمر منكم وكذلك العقوبة منكم أيضا، لأنه ما يزال دون سن التكليف الشرعي. والصلاة في هذه السن تدريب له وتعود ليرتاد ويألف الصلاة منذ صغره فيشب عليها، حتى إذا بلغ التكليف كانت سهلة عليه ومعتادة عنده. وكلمة الوالدين أي: الأب والأم، وهما السبب المباشر للوجود، لأن هناك سببا غير مباشر، وهو الوجود الأعلى الذي أوجد آدم وحواء، وهذا الوجود كان عن عدم، أما وجودنا نحن بالتناسل، فكان عن سبب وهو الوالدان. ولبقاء النوع وعمارة الأرض ربط الله تعالى - ولحكمة عملية - الإنجاب بأقوى غرائز الإنسان وأقوى لذة عنده، كيف؟ قالوا: أنت حين تنظر إلى منظر جميل تستمتع به عينك أو تشم رائحة طيبة يستمتع بها أنفك. كذلك حين تأكل أكلة محببة إليك. إذن: كل جارحة من جوارحك لها متعة خاصة، أما العملية الجنسية فتحدث لذة ومتعة تستوعب الجوارح كلها، وتشارك فيها الجوارح كلها، لذلك شرع الله الغسل بعدها لاشتراك جميع الجوارح في هذه العملية، وأيضا لأنك تغفل في هذه الأثناء عن الله فاستوجب ذلك الغسل.

وأيضا لأن الحق سبحانه وتعالى علم أن الأولاد يمثلون عبئا على الأهل ومشقة في التربية والإنفاق والسعي عليهم، لذلك أقسم الله بهذه المسألة فقال:

ووالد وما ولد

[البلد: 3]. ولولا أن الله ربط الإنجاب بهذه اللذة لربما زهد فيها كثير من الناس، ترون المرأة كم تعاني من آلام الحمل والولادة، حتى أنها تقول توبة لن أعود، ثم تنسى آلامها ومقاساتها وتحن من جديد للحمل. إذن: ربط الإنجاب بهذه اللذة لحكمة، لكن العجيب أن الناس تسرف فيها وتبالغ وتخرجها عن حدها فتجعل اللذة هي الأصل. ونحن نرى الحيوانات مثلا تمارسها لبقاء النوع فقط، لذلك ساعة يأتي الفحل للأنثى يشمها أولا، فإن وجدها حاملا لا يقربها، وهي أيضا لا تمكنه من نفسها، والعجيب أننا نعيب الحيوانات ونقول: شهوة بهيمية.. سبحان الله!! ثم إننا نلاحظ في هذه المسألة أن طفولة الإنسان هي تقريبا أطول فترة طفولة إذا ما قورنت بباقي المخلوقات، فالحيوان مثلا يلد ثم ترضع الأم ولدها، وبعد فترة الرضاعة لا تعرفه ولا تهتم به. أما في الإنسان فهو طفل حتى سن البلوغ، اقرأ:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٤٧٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٤٧٩