تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإلى عاد أخاهم هودا قال يقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره..

[هود: 50] وهذه متفقة مع التي معنا، وقال هنا:

أخاف عليكم عذاب يوم عظيم

[الأعراف: 59] وهناك قال:

إن أنتم إلا مفترون

[هود: 50] والافتراء ينشأ عنه العذاب العظيم. إذن: تكلم هنا عن المسبب وهناك عن السبب، فالعذاب العظيم سببه أنكم افتريتم على الله بأن اتخذتم له شركاء. ثم ذكر زيادة أخرى في هود هي قوله تعالى:

يقوم لا أسألكم عليه أجرا إن أجري إلا على الذي فطرني أفلا تعقلون

[هود: 51]. فكأن المسألة في العقل وبقانون المبادلات أنني أستحق أجرا على دعوتي لكم، لكن أنا لا أريد منكم أجرا فأنتم لا تقدرون عليه لأنه عظيم وفوق قدرتكم، لذلك لا أطلبه إلا من الله الذي أرسلني وانتدبني لهذا الأمر. وقوله:

الذي فطرني..

[هود: 51] أي: خلقني وأنشأني، ولم يقل الذي أرسلنى، فالمراد أنه تعالى خلقني لأكون رسولا وأصلح لأن أحمل دعوته سبحانه، وأكون سفيرا له إلى خلقه. حتى اسمه جاء موافقا لهذه المهمة، فكلمة هود من هاد يعني: رجع وتاب وأناب إلى ربه، ومنه قوله تعالى:

إنا هدنآ إليك..

[الأعراف: 156] يعني: تبنا ورجعنا إلى الله. ثم في هود يأمرهم بالاستغفار والتوبة:

ويقوم استغفروا ربكم ثم توبوا إليه..

[هود: 52] والاستغفار للذنب الذي مضى، أما التوبة فهي عدم الرجوع إلى الذنب مرة أخرى فهي للمستقبل، ثم يبين لهم ثمرة ذلك:

يرسل السمآء عليكم مدرارا ويزدكم قوة إلى قوتكم ولا تتولوا مجرمين

[هود: 52] وهذه لم تأت في الأحقاف.

ومن التفاصيل التي وردت في هود ولم تأت هنا قولهم:

إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء قال إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون

[هود: 54]. وهنا نلاحظ أنه لم يرد الدعوى عن نفسه، إنما ردها عن الله فيتبرأ من هذا القول، ثم يقول لهم:

إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دآبة إلا هو آخذ بناصيتهآ إن ربي على صراط مستقيم

[هود: 56]. فيظهر في حديثه هنا ثقة المؤمن بربه، فيقول متحديا لهم: افعلوا ما شئتم فما جئتكم من نفسي ولا أواجهكم بجاهي ولا قوتي ولا عزوتي، إنما أواجهكم بالله الذي أرسلني وعليه توكلت في دعوتي. وهنا درس عقدي مهم إذا نزل بك بلاء فلا تيأس ولا تغضب وعد إلى رصيد الإيمان في نفسك، فإن توقفت قوانينك فقوانين الله لا تتوقف، وإن خذلتك الأسباب فالمسبب موجود فارجع إليه. وفي هود يعطينا لقطة لنجاة المؤمنين به لم تذكر هنا

ولما جآء أمرنا نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة منا ونجيناهم من عذاب غليظ

[هود: 58] هذه آية كونية خرقت النواميس كلها

ولما جآء أمرنا..

[هود: 58] أي: بهلاكهم وبالعذاب الذي كانوا يستعجلونه نجينا هودا والذين آمنوا معه، بماذا؟ ﴿ برحمة منا.. ﴾ [هود: 58] فقط رحمة الله هي التي تداركتهم، لأن ما حدث كان ثورة طبيعية وغضبة للطبيعة على المخالفين لخالق هذه الطبيعة، الريح هي الريح عاصفة مدمرة مزعجة صرصر عاتية، ومع ذلك خالفت كل نواميس التكوين البيئي، فأهلكت هؤلاء وتركت هؤلاء.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٥٠٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٥٠٠