تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

يأيها النبي لم تحرم مآ أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك والله غفور رحيم

[التحريم: 1]. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به... ﴾.

46.10

معنى ﴿ أرأيتم.. ﴾ [الأحقاف: 10] أخبروني أنتم إن كنتم شاهدتم ﴿ إن كان من عند الله وكفرتم به.. ﴾ [الأحقاف: 10] الجواب تقديره: ماذا يحدث لكم؟ والجواب معلوم: إن كان هذا القرآن من عند الله ومع ذلك كفرتم به فلن تنالوا إلا غضب الله في الدنيا وعقابه في الآخرة. ﴿ وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله.. ﴾ [الأحقاف: 10] الشاهد الذي شهد على صدق القرآن، وأنه من عند الله هو عبد الله بن سلام، وهو أحد أحبار اليهود وأسلم وشهد لمحمد وللقرآن. ﴿ على مثله.. ﴾ [الأحقاف: 10] على مثل القرآن من الكتب السابقة كالتوراة والإنجيل، فهو مثلها من عند الله يدعو إلى ما دعت إليه من عبادة الله وتوحيده، فكما نزلت التوراة على موسى، والإنجيل على عيسى نزل القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم، وصفته ثابتة عندهم في التوراة. لذلك كان يقول عن رسول الله: والله لقد عرفته حين رأيته كمعرفتي لولدي ومعرفتي لمحمد أشد. نعم عرفه من العلامات التي وردت في كتبهم. يقول تعالى:

ولما جآءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم..

[البقرة: 89] أي: القرآن

وكانوا من قبل..

[البقرة: 89] أي من قبل نزول القرآن

يستفتحون على الذين كفروا فلما جآءهم ما عرفوا كفروا به..

[البقرة: 89] لماذا؟ لأنه سيسحب بساط السيادة والسلطة من تحت أقدامهم. وقال أيضا فيهم:

ونسوا حظا مما ذكروا به..

[المائدة: 13] وإن كان لهم عذر في النسيان فليس لهم عذر في كتمان الكتاب وتحريفه، بل كان منهم صنف

يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمنا قليلا فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون

[البقرة: 79]. إذن: اليهود نسوا وكتموا وحرفوا وبدلوا، لكن الحق سبحانه وتعالى لا بد أن يوقعهم في أشياء تدل على فعلهم وتكون منافذ للحق، فمثلا في مسألة الذبيح عارضوا وقالوا: الذبيح إسحاق لا إسماعيل. والرد على هذا الادعاء أن نقول لهم: إن كان الذبيح إسحاق، فلم شرعت مناسك الفداء ورمي الجمرات هنا، ولم تشرع في موطن إسحاق. وارجعوا إلى كتبكم أنتم، ففي التوراة في الأصحاح الرابع والعشرين قال الله لإبراهيم: يا إبراهيم اصعد بابنك الوحيد جبل المرية وقدمه قربانا لله، وهل كان إسحاق وحيدا؟ وفي الأصحاح الذي بعده مباشرة يقول: لقد ولد إسحاق وعمر إسماعيل أربعة عشر عاما. إذن: كلامهم متناقض تماما مع ما في كتبهم، وهذه منافذ للحق يقيم بها الحجة عليهم. وقوله: ﴿ فآمن واستكبرتم.. ﴾ [الأحقاف: 10] أي: آمن هذا الشاهد في حين استكبرتم أنتم على قبول الحق، وسبق أن ذكرنا قصة إسلام عبد الله بن سلام،

" وأنه أتى النبى صلى الله عليه وسلم وقال: يا رسول الله لقد أشرب قلبي حب الإسلام، ولكن اليهود قوم بهت، فإذا علموا ذلك قالوا: في ما ليس في، فاسألهم عنى قبل أن أسلم. فلما اجتمعوا عند رسول الله سألهم: ماذا تقولون في ابن سلام؟ فقالوا: هو سيدنا وابن سيدنا وحبرنا وابن حبرنا ومدحوه. عندها قال: أشهد ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فقالوا: بل كذاب وكذا وكذا، فضحك ابن سلام وقال: ألم أقل لك يا رسول الله أنهم قوم بهت "

وقوله تعالى: ﴿ إن الله لا يهدي القوم الظالمين ﴾ [الأحقاف: 10] هذه الكلمة حلت لنا إشكالا وبينت معنى الهداية، لأن البعض يقول: إذا كان الله قد حكم على الكافر بالكفر ولم يهد القوم الظالمين فلم يعذبهم؟ وهذه مغالطة. ولو كان السؤال منطقيا لأكمل الصورة، فقال: ولم يثيب الطائع وقد كتب له الطاعة؟ وسبق أن أوضحنا في هذه المسألة أن الله تعالى هدى الجميع هداية دلالة وإرشاد، وهذا القسم يشمل المؤمن والكافر، والطائع والعاصى، فقد دل الله الجميع وبين لهم الطريق المستقيم، فمن أخذ بهذه الهداية وسار على نورها استحق من الله المزيد.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٤٧٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٤٧٤