تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وجحدوا بها واستيقنتهآ أنفسهم ظلما وعلوا..

[النمل: 14]. أما الفسق فهو الخروج عن الطاعة التي هي عمل الجوارح.

46.21

قوله تعالى ﴿ واذكر.. ﴾ [الأحقاف: 21] أي: اذكر يا محمد، كأن هذا الذكر جاء لتذكير رسول الله بمواقف إخوانه من الرسل في موكب الإيمان، يعني: انظر لمن سبقك منهم ولما تحمل في سبيل دعوته، فأنت لست بدعا في الرسل. نعم تحملوا المشقة والأذى، لكن صدق الله وعده بنصرتهم في النهاية، لذلك تلاحظ على أسلوب القرآن تعدد القصة الواحدة بتعدد الأحداث التي تمر بالرسول، يقول تعالى:

وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك..

[هود: 120]. فكلما حدث لرسول الله أمر مع قومه يذكره الله بموقف من مواقف الرسل السابقين ليطمئنه وليثبت فؤاده على الحق، وإذا كان كل رسول يتعرض للأذى على قدر مهمته فلا شك أنك ستكون أشد الرسل إيذاء لأنك الرسول الخاتم. وقوله: ﴿ أخا عاد.. ﴾ [الأحقاف: 21] المراد سيدنا هود

وإلى عاد أخاهم هودا..

[الأعراف: 65] كلمة أخ تجمع على إخوة وإخوان، إخوة تعني أخوة النسب، كما جاء في قوله تعالى:

وجآء إخوة يوسف..

[يوسف: 58]. إما إخوان فيراد بها أخوة المنهج والدين والقيم كما في قوله تعالى:

إخونا على سرر متقبلين

[الحجر: 47] فقوله: ﴿ أخا عاد.. ﴾ [الأحقاف: 21] أخاهم في النسب، وعاد هي القبيلة أو الأمة التي أرسل فيها سيدنا هود عليه السلام. والإضافة في ﴿ أخا عاد.. ﴾ [الأحقاف: 21] تحنين لهم وإثارة لمشاعر الرحمة والدم والواحد، فالذي جاءهم ليس غريبا عنهم، إنما هو أخ لهم، وإن جاءهم منهج مخالف لما هم عليه وأراد أن يخرجهم عما ألفوه من الضلال والفساد، والأخ لا يغش أخاه سواء أكانت أخوتهم له للنسب، أم للدين والمنهج والقيم. إذن: عليهم أن يستقبلوا دعوته بالحنان الذي تقتضيه الأخوة. ﴿ أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف.. ﴾ [الأحقاف: 21] عاد كانت جماعة من العرب البائدة، وكانت تسكن الأحقاف في جنوب شبه الجزيرة العربية، والأحقاف جمع حقف: وهو الرمل المستطيل الذي يعلو وينخفض ويتحرك يمينا وشمالا، وهنا وهنا. والرمل لنعومته تحركه الرياح والأعاصير بسهولة، حتى إن الهبة الواحدة من الإعصار في هذا المكان كانت تطمر قافلة وتغطيها في هذا الوادي، لذلك لم تظهر آثار قوم عاد حتى الآن لأنها مطمورة على مسافات بعيدة تحت الرمال. كذلك الآثار القديمة في كل مكان لا توجد إلا تحت الأرض في حفريات، لأن عوامل التعرية تطمرها. لذلك ترى الواحد منا إذا سافر مثلا وترك بيته لعدة شهور مثلا يعود فيجده مغطى بطبقة من التراب، مع أنه مغلق بإحكام، فما بالك في الخلاء مع هبوب الرياح والأعاصير. وفي سورة الفجر، الحق سبحانه يعطينا طرفا من تاريخ هذه الأمم وما حل بها من العذاب:

ألم تر كيف فعل ربك بعاد * إرم ذات العماد * التي لم يخلق مثلها في البلاد * وثمود الذين جابوا الصخر بالواد * وفرعون ذى الأوتاد * الذين طغوا في البلاد * فأكثروا فيها الفساد * فصب عليهم ربك سوط عذاب * إن ربك لبالمرصاد

[الفجر: 6-14]. ونحن حتى الآن لا نعرف أين ديارهم، ولا نعرف آثارهم إلا ما أخبرنا الله به، ذلك لأنها تحت مسافات في باطن الأرض. وقوله تعالى: ﴿ وقد خلت النذر من بين يديه ومن خلفه.. ﴾ [الأحقاف: 21] فهو ليس أول الرسل إليهم ولا هو آخرهم، فقد مضت الرسل ﴿ من بين يديه.. ﴾ [الأحقاف: 21] يعني: قبله ﴿ ومن خلفه.. ﴾ [الأحقاف: 21] يعني: من بعده. والنذر جمع نذير، وهو الذي يخوفك ويحذرك من الشر قبل حلوله، وفائدة الإنذار أنه ينبهك من الخطر قبل أن تقع فيه فتتجنبه، ويجب أن يكون الإنذار قبل حدوث الشر بمدة كافية تمكنك من تدارك الأمر وتجنب الوقوع فيه. وقوله: ﴿ ألا تعبدوا إلا الله.. ﴾ [الأحقاف: 21] يعني: هذه القضية اتفق عليها جميع الرسل من قبل هود ومن بعده، فكل الديانات ما جاءت إلا لخدمة هذه القضية ودعوة الناس إليها. والعبادة كما بينا طاعة العابد لأوامر المعبود ونواهيه، وهذا المعنى ينقض ويبطل عبادة غير الله، فكلها آلهة باطلة وعبادتها باطلة لأنها آلهة بلا منهج وبلا أمر ولا نهي. فالشمس، ماذا قالت لمن عبدها؟ بم أمرته وعم نهت؟ ماذا أعدت لمن عبدها من الجزاء؟ وماذا أعدت لمن كفر بها؟ فإن سألت لماذا عبدها الناس وعبدوا غيرها من الأشياء؟ نقول: لأن التدين غريزة في الإنسان منذ خلقه الله ومنذ كان في عالم الذر، لكن التدين الحق له مطالب ومسئوليات تكبح جماح النفس وتقيد شهواتها. لذلك لجأ البعض إلى عبادة ترضي عندهم غريزة التدين وتعفيهم من مطالب الدين الحق، فراحوا إلى الآلهة الباطلة وعبدوها، لأنها لا تلزمهم بشيء ولا تكلفهم شيئا، وتطلق العنان لشهواتهم. وقوله: ﴿ إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم ﴾ [الأحقاف: 21] هذا الخوف هو مقتضى الأخوة، فالأخ حريص على مصلحة أخيه، حريص على نجاته، لذلك قال تعالى في سيدنا رسول الله:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٤٩٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٤٩٢