تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فقوله تعالى: ﴿ إن وعد الله حق.. ﴾ [الأحقاف: 17] يعني: صادق لا يتخلف، والحق هو الشيء الثابت الذي لا يتغير، لأن الله هو الذي قضاه وحكم به، فلا أحد يغيره، لذلك يقول سبحانه:

سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا

[الفتح: 23]. وقوله تعالى: ﴿ فيقول ما هذآ إلا أساطير الأولين ﴾ [الأحقاف: 17]. أي: يقول هذا الولد المعاند لوالديه، وهما يدعوانه للإيمان بالبعث والنشور: إن ما تقولانه ما هو إلا أساطير الأولين، وهي أكاذيبهم وقصصهم التي جاءت في كتبهم، يعني: ما تدعواني إليه كذب أشبه بالأساطير والخرافات.

46.18

نلاحظ أن الكلام كان في الآية السابقة عن مفرد، وهو الذي قال لوالديه أف لكما لكن هنا يشير إليه الحق سبحانه بصيغة الجمع ﴿ أولئك.. ﴾ [الأحقاف: 18] فيأتي بالقرار ويخبر عنه ﴿ أولئك الذين حق عليهم القول.. ﴾ [الأحقاف: 18]. كأن الذي لا يفهم منها المفرد إنما يفهم منها الجمع، كما في قوله تعالى

والعصر * إن الإنسان لفى خسر * إلا الذين آمنوا..

[العصر: 1-3] فاستثنى الجمع من المفرد. وقالوا في هذه الآية ما قالوا في الآية السابقة. أي: أنها نزلت في عبد الرحمن بن أبي بكر، وهذا القول لا يستقيم مع معنى الآية لأن سيدنا عبد الرحمن أسلم وحسن إسلامه، وهذه الآية تتحدث عمن حق عليهم العذاب. إذن: نزلت في شخص آخر غير عبد الرحمن. وقد ورد لهذه المسألة قصة في كتب التاريخ، فالذي قال أنها نزلت في عبد الرحمن هو مروان بن الحكم، وكان أميرا على المدينة. فلما بايع معاوية ابنه يزيد بالخلافة طلب من مروان أن يأخذ البيعة ليزيد، فاعترض على ذلك عبد الرحمن بن أبي بكر. وقال: أجعلتموها هرقلية؟ يعني: ملكية يخلف الولد والده؟ فقال: اسكت يا هذا، ثم قال: أتعلمون من هذا؟ هذا الذي قال الله فيه

والذي قال لوالديه أف لكمآ..

[الأحقاف: 17]. وبلغت هذه المقولة السيدة عائشة رضي الله عنها فقالت: والله ما هو، ولو شئت أن أسمي الذي قيلت فيه لقلته، ولكن قولوا لمروان: إن الله قد لعنك في ظهر أبيك. ذلك لأن الحكم بن العاص كان يوما يقلد رسول الله في مشيته استهزاء به، فالتفت النبي صلى الله عليه وسلم فرآه، فأشار إليه بيده فنفي إلى الطائف، وبعد العز الذي كان فيه في المدينة صار يرعى الغنم، إلى أن جاء سيدنا عثمان وتشفع له عند رسول الله فأذن له. ولكن الصحابة قالوا: لم نسمع من الرسول، فقال عثمان: أنا سمعته. ومعنى ﴿ حق عليهم القول.. ﴾ [الأحقاف: 18] يعني: وجب وثبت لهم العذاب الذي حذرناهم منه ﴿ في أمم قد خلت من قبلهم.. ﴾ [الأحقاف: 18] يعني: مضت وذهبت ﴿ من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين ﴾ [الأحقاف: 18] لأن الله قال عن المؤمنين

قد أفلح المؤمنون

[المؤمنون: 1]. ففي المقابل، وخسر الكافرون المكذبون. وهذه الآية تدل على أن الجن أيضا مكلف، ومنهم الطائع والعاصي، والمؤمن والكافر، لذلك قال في سورة الجن:

وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا

[الجن: 15] إذن: سيعذبون بما يناسب طبيعتهم.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٤٨٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٤٨٨