أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى
فصادف قلبا خاليا فتمكنا
قلنا: إن السمع مقدم على البصر، هذا في الدنيا، أما في الآخرة قالوا:
أبصرنا وسمعنا..
[السجدة: 12] فقدم البصر على السمع لأنه حين تقوم القيامة يفاجأ الإنسان بمنظر رهيب، فيرى قبل أن يسمع. ثم يقول تعالى في وصف قوم عاد: ﴿ فمآ أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء.. ﴾ [الأحقاف: 26] إذن: سمعوا وكأنهم ما سمعوا، وأبصروا وكأنهم ما أبصروا لم يستفيدوا من هذا، كما قال تعالى:
وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي ءاذانهم وقرا..
[الإسراء: 46]. وبالتالي أصبحت أفئدتهم خالية، كما قال سبحانه:
وأفئدتهم هوآء
[إبراهيم: 43]. وقال:
ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بهآ أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون
[الأعراف: 179]. لكن، ما العلاقة بين السمع والبصر والفؤاد أي القلب؟ ولماذا جمع بينهم؟ قالوا: لأن السمع يدرك المسموع، والبصر يدرك المرئي، ومن هذه الإدراكات يكون الإنسان الفكر ثم يعرضه على العقل ليختار منه ويفاضل بين مكوناته، فيأخذ الطبيب ويترك الخبيث، يأخذ الصواب ويترك الخطأ، يأخذ ما وافق الشرع ويترك ما خالفه. فإذا استقر على أمر ألقاه إلى القلب ليثبت فيه، ويكون عقيدة راسخة لا تتزحزح، وإيمان لا يتذبذب ولا يطفو إلى العقل ليناقش مرة أخرى، فالقلب إذن هو محل العقائد. لذلك قال عنه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب ".
لأنه الوعاء الذي حمل سائل الحياة ويضخه لجميع أجزاء الجسم، وحين يمتلىء بالإيمان يضخ هذا الإيمان مع الدم إلى جميع أجزاء الجسم، فتأتي التصرفات والأفعال على وفق هذا الإيمان، وتؤدي كل حاسة مهمتها بدقة. وهكذا تجد أن واهب الحياة لك لا يعطيك ما يعوقك عنه، ولا ما يعطل عندك أداء منهجه. لذلك اقرأ:
وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنآ أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين
[القصص: 55]. وقال:
وقد نزل عليكم في الكتب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم إن الله جامع المنفقين والكفرين في جهنم جميعا
[النساء: 140]. إذن: إذا تمكن الإيمان من قلب العبد لا يصدر منه إلا ما يوافق مقتضيات الإيمان قولا وعملا، وانطبعت كل حركاته في الحياة بهذا الطابع. أما قوم عاد الذين نتحدث عنهم فلم ينتفعوا بما سمعوا من رسولهم، ولا بما رأوا من آيات الكون، ولم يذوقوا إذن طعم الإيمان بالله. ﴿ إذ كانوا يجحدون بآيات الله.. ﴾ [الأحقاف: 26] وينكرونها وينصرفون عنها، ولو آمنوا لشرح الله صدروهم، لكن ختم الله على قلوبهم، وعلى سمعهم، وعلى أبصارهم، لأنهم اختاروا الكفر وأحبوه فأعانهم الله عليه، لأنه رب يعطي عبده ما يريد. لذلك قلنا للمرأة التي تبالغ في الحزن على فقد عزيز عليها: أحذري من ذلك، واخرجي من دائرة الحزن ولا تألفيه، وانظري لا إلى ما أخذ بل إلى ما أبقى، وإلا أدام الله عليك الحزن وأخذ منك الباقي. وهنا درس مهم، وهو إذا أصابك مكروه في شيء عزيز عليك فلا تنظر إلى ما أخذت المصيبة، لكن انظر فيما أبقت لك، حتى تهون وحتى لا تدخل من باب الجزع واليأس، وسوف تجد أن ما بقي أكثر، وأن مصيبتك أهون من غيرك. لذلك حكيم الصين لما جاءه الناس يشكون إليه متاعب الحياة وهمومها، قال لهم: فليكتب كل واحد منكم همومه ومتاعبه في ورقة، ثم يلقي بها في هذا الصندوق وليأتني بعد أسبوع، وبعد أسبوع جاء الشاكون فقال للأول: مد يدك وخذ ورقة مما في الصندوق فأخذ ورقة. ولما نظر فيها قال: لا أريد ورقتي، لماذا؟ لأنه وجد مصيبته أهون من مصيبة غيره. وقد ترجم العامة هذا المعنى فقالوا اللي يشوف بلاوي الناس تهون عليه بلوته. ويروى أن سيدنا عروة بن الزبير سافر إلى الخليفة الأموي في الشام، وفي الطريق جرحت رجله ولم يجد من يداويها حتى وصل إلى دمشق فوجدوها قد قاحت ولم يجدوا حلا إلا قطعها، فبحثوا له عن مرقد يعنى بنج قال: لا فأنا لا أحب أن أغفل عن ربي طرفة عين، لكن اتركوني حتى أدخل في الصلاة.