تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

46.29-30

ينتقل السياق بنا إلى مجال آخر من مجالات الدعوة، فبعد أن حدثنا عن موقف الإنس وما كان منهم من تصديق لرسول الله أو تكذيب يحدثنا عن الجن، وهم الجنس المقابل للإنس في الدعوة. حيث أرسل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الثقلين الإنس والجن، إذن: الجن جنس مكلف مثلنا، لكنه غيب عنا فلا نراه

إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم..

[الأعراف: 27]. والجن له خفة في الحركة وتغلغل في الأشياء لطبيعته النارية، لذلك لو أشعلت النار خلف هذا الجدار بعد لحظات تحس بها هنا. إذن: صدق أنه من نار، وأنه يتغلغل خلال الأشياء، وأن له طبيعة غير طبيعة الآدمي. الحق سبحانه يريد أن يبين لنا أن الجن وإن كان غائبا عنا إلا أنه مثلنا في التكليف وأنه مثلنا مخاطب بالقرآن، ومنه المؤمن والكافر والطائع والعاصي. ونحن نعلم قصة الصراع بين الجن والإنسان، منذ خلق آدم عليه السلام وأمر إبليس بالسجود له فأبى واستكبر، وكانت حجته أنه خلق من نار، وآدم خلق من طين، فكيف يسجد له وهو أفضل منه على حد قوله:

خلقتني من نار وخلقته من طين

[الاعراف: 12]. صحيح أن آدم هو أيضا وقع في المعصية، لكن فرق كبير بين معصية آدم ومعصية إبليس، آدم عصى ربه حين أكل من الشجرة التي نهاه الله عن الأكل منها، عصى عن غفلة وتغلب النفس ووسوسة الشيطان. ثم لما عرف معصيته اعترف بها وتاب عنها واعترف بأنه أخطأ في حق ربه وظلم نفسه

قالا ربنا ظلمنآ أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين

[الأعراف: 23] وقال في البقرة:

فتلقى ءادم من ربه كلمت فتاب عليه إنه هو التواب الرحيم

[البقرة: 37]. إذن: قبلت توبة آدم لأنه لم يرد حكم الله، أما إبليس فرد الحكم ولم يخضع له فطرد من رحمة الله وأبعد، وفرق بين أن تعصي الحكم وأنت معترف به، مصدق بأنه من الله، وبين أن ترده. لذلك نقول هذا الكلام لمن يجادل مثلا في مسائل من الدين الحكم فيها واضح، كالربا مثلا أو إطلاق اللحية فيقول: التعامل بالربا الآن حلال، نقول لهذا: أنت بهذا القول ترد حكم الله في الربا، والأسلم لك أن تقول أنه حرام لكن ظروفي تجبرني عليه مثلا. ثم لك أن تقتدي بأبيك آدم فتتوب، تستغفر لعل الله يغفر لك، بدل أن تعاند ربك في حكمه، وهذه لا تقدر عليها، وتذكر قول الشيطان

ولأمرنهم فليغيرن خلق الله..

[النساء: 119]. فاحذر هذه المسألة، وأنت تعلم أن إبليس كان في يوم من الأيام طاووس الملائكة فلما عاند واستكبر ورد حكم الله جعله ملعونا مطرودا من رحمة الله.

ولنا ملحظ هام في أمر الله لآدم بعدم الأكل من الشجرة

ولا تقربا هذه الشجرة..

[البقرة: 35] فالنهي عن مجرد قربها، وهكذا كل أمر في ما حرمه الله

تلك حدود الله فلا تقربوها..

[البقرة: 187]. أما ما أحل الله لك فقال فيه:

تلك حدود الله فلا تعتدوها..

[البقرة: 229] يعني: لا تتعدوا ما أحل الله، أما الحرام فلا تقربوه لأن من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه. وذرية إبليس تسير على نهجه في إغواء بني آدم، ونحن لا نراهم كما لا نرى الملائكة، مع الفارق بينهما، فالملائكة من نور، والشياطين من نار. وهنا ينقل الحديث في شأن رسالة محمد صلى الله عليه وسلم من الإنس إلى الجن، والإخبار بأن الجن مكلف، وبأنه يستمع القرآن لم يأت به محمد صلى الله عليه وسلم من عند نفسه، إنما يحكي لنا ما أخبره الله به من أن الجن يستمعون القرآن. فقال في سورة الجن:

قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا * يهدي إلى الرشد فآمنا به..

[الجن: 1-2]. وكأن الحق سبحانه يقول لنبيه محمد: أنا لم أبعثك لتذهب إلى الجن وتخاطبهم لأنك لا تراهم، لذلك صرفتهم إليك، وأتيت بهم إليك ليستمعوا القرآن وأنت لا تشعر بهم، ولولا إخباري لك بذلك ما كنت تعلمه. وهنا يقول: ﴿ وإذ صرفنآ إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن.. ﴾ [الأحقاف: 29] فأنت تقرأ وهم حولك يستمعون. وقولهم في سورة الجن

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٥٠٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٥٠٣