تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إذن: عداها ب في ليجعلها ظرفا ومظروفا. وقوله: ﴿ إني تبت إليك وإني من المسلمين ﴾ [الأحقاف: 15] التوبة باب مفتوح إلى آخر العمر، لكن ينبغي ألا تؤخر وألا نغفل عنها إذا كنا أسرفنا على أنفسنا، لكن البعض منا تأخذه الدنيا وتنسيه نفسه فيؤخر التوبة والتصالح مع ربه إلى هذه السن.

لذلك ورد في الأثر:

" إن الله يجرى يده على وجه العبد بعد الأربعين إن لم يتب فيقول: أما آن لهذا الوجه أن يستحي ".

وفي معنى حديث آخر يقول:

" من بلغ الأربعين ولم يكن خيره أكثر من شره، فليجهز نفسه - والعياذ بالله - لجهنم ".

لماذا؟ لأنك أخذت راحتك في شبابك، وأشبعت رغبتك مما تريد، لكن إذا وافيت الأربعين فاستح أن تعصي الله بعدها، واستح أن تؤجل التوبة وأنت لا تضمن عمرك بعدها. وكلمة ﴿ وإني من المسلمين ﴾ [الأحقاف: 15] تعني: أن العطل أو التقصير لم يكن في العقيدة، إنما في تنفيذ مطلوب العقيدة في الأحكام.

46.16

وكلمة ﴿ أولئك.. ﴾ [الأحقاف: 16] إشارة لمن سبق ذكرهم وأوصافهم ﴿ الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا.. ﴾ [الأحقاف: 16] المشهور عن الفعل تقبل أنه يتعدى بمن، كما جاء في قول سيدنا إبراهيم:

وإذ يرفع إبرهيم القواعد من البيت وإسمعيل ربنا تقبل..

[البقرة: 127]. وفي موضع آخر:

وهو الذي يقبل التوبة عن عباده..

[الشورى: 25]. إذن: يتعدى مرة ب من ومرة ب عن ولكل معنى، فقوله تعالى: ﴿ أولئك الذين نتقبل عنهم أحسن ما عملوا.. ﴾ [الأحقاف: 16] يعني: أن التوبة تحمل عنك عبء المعاصي وثقلها، لأنها تزحزحها عنك. لذلك قال: ﴿ عنهم.. ﴾ [الأحقاف: 16] لأن مجيء حرف مكان حرف لا بد أن له حكمة، وأنه يضيف معنى لا يعطيه الحرف الآخر، وسبق أن أوضحنا هذه المسألة في قول الحق سبحانه:

الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسماعيل..

[إبراهيم: 39] ورأينا كل المفسرين يقولون: على هنا بمعنى: مع الكبر. وبتأمل الآية نجد مع حرفان وعلى ثلاثة أحرف، فلماذا عدل القرآن عن مع وجاء ب على؟ كيف يترك السهل في حرفين إلى الثلاثة؟ ولما نتأمل مسألة كبر سيدنا إبراهيم نجد أن المعية التي تفيدها مع لا تكفي، فالمراد حرف يعطي المعية المتغلب عليها، فالكبر موجود مع سيدنا إبراهيم ومصاحب له، لكنه كبر متغلب عليه بقدرة الله. فكأن طلاقة القدرة علت على قانون الكبر، وخرقت الناموس فجاء إسماعيل على هذا الكبر، وهذا المعنى لا يقوم باستخدام مع بل على. كذلك في قوله تعالى:

وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب

[الرعد: 6] فكأن الذنب يقتضي العقوبة، لكن مغفرة الله علت على العقوبة وتغلبت عليها. إذن: حينما يستخدم حرفا مكان حرف فلا بد أنه يضيف معنى لا يضيفه الحرف الأول. إذن: ﴿ نتقبل عنهم أحسن ما عملوا.. ﴾ [الأحقاف: 16] حملنا عنهم عبء ما كان قبل التوبة، وفي موضع آخر يشرح الحق سبحانه هذا المعنى:

فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات..

[الفرقان: 70] حتى قال أحدهم: والله لقد أسفت أني لم أرتكب الكبائر، لأن الله كان سيبدلها حسنات، وهذا خطأ، فمن يدريك أنك ستعيش حتى تتوب؟ وقوله: ﴿ ونتجاوز عن سيئاتهم.. ﴾ [الأحقاف: 16] أي: نعفو عنها ونتسامح ﴿ في أصحاب الجنة.. ﴾ [الأحقاف: 16] سبق أن قلنا: أصحاب الجنة يعني بينهم وبينها مصاحبة أو صداقة، أو أصحابها يعني المالكين لها. لكن هنا يقول ﴿ في أصحاب الجنة.. ﴾ [الأحقاف: 16] فكأن هؤلاء الذين نتحدث عنهم في وسط الجنة، وأهل الجنة محيطون بهم، فهم في المركز، هذا الفهم جاء من معنى في هنا، لكن لماذا استحق هؤلاء أن يكونوا في الوسط وفي المركز وأهل الجنة حولهم؟ قالوا لأن الذي ألف المعصية ثم يذهب إلى الطاعة تشق على نفسه بعد أن استهوى المعصية وارتاض عليها، فهو يجاهد نفسه للاستمرار على الطاعة، على خلاف من لم يجرب المعصية، فالطاعة عنده طبيعية لا تحتاج إلى مجاهدة كالأول، لذلك يعاملهم الله بهذا التساهل وهذا الفضل فيبدل سيئاتهم حسنات، وهذا منتهى الكرم.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٤٨٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٤٨٥