تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

46.7

معنى ﴿ بينات.. ﴾ [الأحقاف: 7] يعني: واضحات ظاهرات، ومع ذلك ﴿ قال الذين كفروا للحق لما جآءهم.. ﴾ [الأحقاف: 7] قالوا عن الحق، فاللام هنا بمعنى عن، أو أنهم بالغوا فبدل أن يواجهوا من آمن بالحق واجهوا الحق ذاته، فقالوا: ﴿ هذا سحر مبين ﴾ [الأحقاف: 7]. وإبطال هذا الادعاء سهل ميسور، وهو أن نقول لهم: لو صدقانكم في أنه سحر، وأن محمدا سحر به من آمن به، فلماذا لم يسحركم كما سحرهم، وتنتهى المسألة؟

46.8

بعد أن قالوا عن القرآن أنه سحر سحر به محمد أصحابه فآمنوا به. قالوا: إنه افتراء افتراه محمد، والافتراء هو الكذب المتعمد، فرد الله عليهم ﴿ قل.. ﴾ [الأحقاف: 8] قل لهم يا محمد ﴿ إن افتريته فلا تملكون لي من الله شيئا.. ﴾ [الأحقاف: 8]. يعني: لا تدفعون عني عذاب الله إن افتريت عليه وكذبت في البلاغ عنه، لذلك يقول سبحانه في آية أخرى توضح هذه المسألة:

ولو تقول علينا بعض الأقاويل * لأخذنا منه باليمين * ثم لقطعنا منه الوتين * فما منكم من أحد عنه حاجزين

[الحاقة: 44-47]. فكيف يكذب رسول الله على الله بعد هذه الكلمة، وسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قبل بعثته عرف بين قومه بالصادق، لأنهم لم يجربوا عليه كذبا قط. تعرفون

" قصة الصحابي الجليل خزيمة بن ثابت مع رسول الله عندما اشترى رسول الله فرسا من يهودي اشتراه نسئ الثمن، وفي يوم لقيه رسول الله وأعطاه الثمن دون أن يكون بينهما شاهد على السداد، فاستغل اليهودي هذه الفرصة وادعى على رسول الله أنه لم يعطه ثمن الفرس. فلما كلمه رسول الله قال: هات لي شاهدا، فقام خزيمة، وقال: أنا أشهد يا رسول الله أنك أعطيته ثمن الفرس، فبهت اليهودي وظن أن خزيمة كان موجودا لكن لم يره. بعدها استدعى رسول الله خزيمة، وقال له: يا خزيمة ما حملك على أن قلت ما قلت ولم تكن موجودا، ولم تشهد هذه المسألة؟ فضحك خزيمة وقال: يا رسول الله أصدقك في خبر السماء وأكذبك في عدة دراهم؟ فتبسم رسول الله وأعطاه نيشانا غاليا، فقال: " من شهد له خزيمة فحسبه " "

ومن يومها وشهادة خزيمة تعدل شهادة رجلين. وهذا النيشان انتفع به المسلمون في مسألة جمع القرآن، حيث كان جامعو القرآن لا يكتبون الآية إلا إذا وجدوها مسجلة في الرقاع، وشهد على صحتها اثنان من العدول، حتى جاءوا في آخر سورة التوبة، فوجدوا آية مكتوبة وليس لها إلا شاهد واحد هو خزيمة، فأخذوا بشهادته وحده، لأن شهادته تعدل شهادة رجلين. وتأمل أدب الحوار حتى مع المخالفين لرسول الله ومع الذين يتهمونه بالكذب اتهاما صريحا، يقول لهم: ﴿ إن افتريته.. ﴾ [الأحقاف: 8] وإن تفيد الشك ﴿ فلا تملكون لي من الله شيئا.. ﴾ [الأحقاف: 8] يعني: لا تدفعون عني عذاب الله ﴿ هو أعلم بما تفيضون فيه.. ﴾ [الأحقاف: 8] بما تكثرون فيه الكلام والاتهام، وادعاء أن القرآن مكذوب. ﴿ كفى به شهيدا بيني وبينكم وهو الغفور الرحيم ﴾ [الأحقاف: 8] يرجع الأمر إلى الله ويفوض أمره إليه، ويرضى بشهادته بينه وبين خصومه، وشهادة الله هي شهادة الحق وشهادة الصدق.

لذلك شهد الله بها لنفسه سبحانه شهادة الذات للذات:

شهد الله أنه لا إله إلا هو..

[آل عمران: 18] وشهدت بها الملائكة، شهادة مشهد، وشهد بها أولو العلم شهادة استدلال

والملائكة وأولوا العلم قآئما بالقسط

[آل عمران: 18]. إذن: في هذه القضية رسول الله لا يستطيع أن يأتي بشاهد على صدقه في تبليغ القرآن عن الله، فيكتفي بأن يجعل الله شاهدا بينه وبينهم. وهذا من أدب الحوار الذي تأدب به سيدنا رسول الله، فهم يتهمونه بتعمد الكذب وهو يتودد إليهم، وفي موضع آخر يرد عليهم فيقول الحق سبحانه على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم:

أم يقولون افتراه قل إن افتريته فعلي إجرامي وأنا بريء مما تجرمون

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٤٧٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٤٧٢