46.33
الحق سبحانه هنا ذكر آية من أعظم آيات الخلق، وهي ﴿ خلق السموت والأرض.. ﴾ [الأحقاف: 33] لذلك قال في موضع آخر:
لخلق السموت والأرض أكبر من خلق الناس..
[غافر: 57]. فأتى بخلق السماوات والأرض ولم يذكر خلق الإنسان لأنها الآية الأكبر، وأين عمر الإنسان الذي يعيش عدة سنوات، أو حتى مائة سنة من عمر السماوات والأرض. ﴿ ولم يعي بخلقهن.. ﴾ [الأحقاف: 33] لم يتعب تعالى الله عن ذلك، كما قال في آية أخرى:
وما مسنا من لغوب
[ق: 38] فمن كانت هذه صفاته، وهذه آيات خلقه، أليس بقادر على أن يحيي الموتى؟ ويأتي الجواب بلى يعني: نعم قادر، وجاءت بلى هنا لإفادة الإثبات، لأن السؤال سؤال منفي، والقاعدة أن نفي النفي إثبات ﴿ إنه على كل شيء قدير ﴾ [الأحقاف: 33] تذييل يؤكد قدرة الله لا على إحياء الموتى فحسب، إنما قدرته تعالى على كل شيء.
46.34
هذه لقطة أخرى لمسألة العرض على النار والعياذ بالله، فقبل هذه قال سبحانه:
ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيبتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها..
[الأحقاف: 20] فذكر لهم علة عرضهم على النار، وهي استنفاد الطيبات كلها في الدنيا، بحيث لم يبق لهم شيء في الآخرة. لذلك قلنا: إن النعمة التى تشغل صاحبها عن المنعم هي في الحقيقة نقمة عليه ووبال، والنعمة حقيقة هي التي تذكرك بالمنعم، لذلك علمنا سيدنا رسول الله حينما نرى نعمة عندنا أو عند غيرنا أن نقول: ما شاء الله لا قوة إلا بالله. فترد الفضل إلى صاحبه وتبرىء نفسك من الغرور، ونسبة النعمة إلى نفسك، وأنها جاءت بفضل مهارتك وشطارتك، كما حصل من قارون فقال:
إنمآ أوتيته على علم عندي..
[القصص: 78]. فكانت النتيجة:
فخسفنا به وبداره الأرض..
[القصص: 81] وكأن الحق سبحانه يقول له: ما دمت أوتيته على علم عندك فاحرسه بعلم من عندك أيضا.
" يروى أن سيدنا عمر رضي الله عنه دخل على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوجده ينام على حصير قد أثر في جنبه، ولم يجد عنده شيئا يلفت نظره من متاع الدنيا، فتألم لحال رسول الله ولم يستطع إخفاء ما في نفسه. فقال: يا رسول الله ادع الله أن يوسع على أمتك كما وسع على فارس والروم، فنظر إليه رسول الله وقال: " أفي شك أنت يا بن الخطاب؟ هؤلاء قوم عجلت لهم طيباتهم فى حياتهم الدنيا ".
وذكرنا قول عمر بن عبد العزيز: والله لو شئت أن أكون أطيبكم طعاما، وأحسنكم لباسا لفعلت، ولكني أستبقي، لذلك قال تعالى:
كلوا واشربوا هنيئا بمآ أسلفتم في الأيام الخالية
[الحاقة: 24]. إذن: من ذكر الجزاء واستحضر نعيم الآخرة هانت عليه مشقة الطاعة في الدنيا، كالتلميذ الذي يذاكر ويسهر ويحرم نفسه لذة الراحة شوقا إلى لذة أعظم هي لذة النجاح. قوله تعالى: ﴿ ويوم يعرض.. ﴾ [الأحقاف: 34] الخطاب هنا لرسول الله صلى الله عليه وسلم. ويوم ظرف زمان يعني: اذكر يوم يعرض الذين كفروا على النار وذكرهم به. وقل لهم: ﴿ أليس هذا بالحق.. ﴾ [الأحقاف: 34] أي: الحق الذي كنتم تكذبونه ها هو أصبح واقعا. وسبق أن بينا أن العلم ثلاث مراحل: علم اليقين، وعين اليقين، وحق اليقين، فالإخبار عن الآخرة وما فيها من ثواب وعقاب علم يقين، ثم حين نرى هذا الجزاء يصير عين اليقين، ثم حين نباشره ويدخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار يصير حق اليقين. وهذه المراحل ذكرت في موضعين في قوله تعالى:
ألهاكم التكاثر * حتى زرتم المقابر * كلا سوف تعلمون * ثم كلا سوف تعلمون * كلا لو تعلمون علم اليقين * لترون الجحيم * ثم لترونها عين اليقين * ثم لتسألن يومئذ عن النعيم
[التكاثر: 1-8]. أما حق اليقين فذكر في قوله تعالى:
وأمآ إن كان من المكذبين الضآلين * فنزل من حميم * وتصلية جحيم * إن هذا لهو حق اليقين * فسبح باسم ربك العظيم