46.26
هذا خطاب لقريش ولفت لهم أن هؤلاء المعذبين من قوم عاد كانوا أقوى منكم وأحسن أثاثا ورئيا، وأكثر منكم أموالا، وأثاروا الأرض وعمروها، ولهم حضارة من أعظم حضارات الدنيا.
ألم تر كيف فعل ربك بعاد * إرم ذات العماد * التي لم يخلق مثلها في البلاد
[الفجر: 6-8]. ومع ذلك كان هذا مصيرهم فلم تغن عنهم قوتهم، ولم تدفع عنهم الحضارة شيئا من عذاب الله وأنتم لستم أقوى منهم، فاحذروا ما وقعوا فيه من تكذيب الرسول، واحذروا أن يصيبكم ما أصابهم. فقوله تعالى: ﴿ ولقد مكناهم.. ﴾ [الأحقاف: 26] يعني: مكنا قوم عاد. والتمكين يعني: أعطيناهم القوة والاستطاعة، وبسطنا لهم في أسباب الدنيا حتى عملوا ما لم يعمله غيرهم من الأمم. ﴿ فيمآ إن مكناكم فيه.. ﴾ [الأحقاف: 26] إن هنا نافية كما في قوله تعالى:
ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم..
[المجادلة: 2] ما أمهاتهم إلا اللائي ولدنهم، وهنا مكنا لهم ما لم نمكن لكم، وبسطنا لهم ما لم نبسط لكم من الأسباب. ثم ﴿ وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فمآ أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء.. ﴾ [الأحقاف: 26]. السمع والأبصار والأفئدة هي وسائل الإدراك الرئيسية في الإنسان، وقد وردت في كل مواضعها في القرآن بهذه الصيغة: السمع مفرد، والأبصار والأفئدة جمع. وهذه من دقائق التعبير في القرآن، فالسمع لا تجمع لأن الصوت يسمعه الجميع كأننا في السماع واحد، ترى مصدر الصوت أو لا تراه لكن تسمعه. أما البصر فيختلف من شخص لآخر، فواحد يرى والآخر لا يرى، واحد نظره حاد، وآخر نظره كليل، وآخر أعور. إذن: الأبصار مختلفة، كذلك تختلف الأفئدة في استقبال الأشياء. وقد ثبت في علم وظائف الأعضاء أن الأذن هي أول جهاز يعمل في الطفل بعد ولادته مباشرة، أما العين فترى بعد ثلاثة إلى عشرة أيام، ثم بعد ذلك تعمل الأفئدة. إذن: هذا هو الترتيب الطبيعي لعمل الجوارح التي هي وسائل الإدراك، ولأهمية السمع جعله الله أول هذه الجوارح عملا، فهو أول ما يستقبل من مدركات بعد الولادة، وهو الحاسة التي لا تنتهي مهمتها حتى في النوم. فالعين مثلا لا ترى أثناء النوم، أما الأذن فتسمع لأنها وسيلة الاستدعاء للنائم، فلا بد أن تكون مستعدة دائما للتلقي والسماع. وهذه المسألة رأيناها في قصة أهل الكهف في قوله تعالى:
فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا
[الكهف: 11] لأن الكهف في صحراء يكثر بها الأصوات المزعجة ليلا بالإضافة إلى أصوات الرعد والبرق والريح، فلو كانت الأذن على طبيعتها لأزعجتهم هذه الأصوات، لكن ضرب الله عليها حتى لا تسمع.
ولأن السمع هو وسيلة التلقي واستقبال البلاغ عن الله جعلها الله سبحانه أول هذه المدارك عملا، لذلك سن لنا سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نؤذن في أذن الطفل بمجرد أن يولد. ولو كانت الأذن لا تعمل في هذا الوقت كان التكليف عبثا، فإذا قلت مثلا: وهل يفهم الطفل هذا؟ نقول: نعم يفهم بما فيه من العهد الذي أخذ على آدم ونحن في مرحلة الذر. إذن: أول ما يجب أن يعنى به الوالدان أن يسمعا الطفل هذا النداء: الله أكبر الله أكبر من كل شيء آخر، وهذه هي الخميرة الإيمانية التي تدور حولها كل خمائر الإيمان. ما زلتم تذكرون حديثنا عن قوله تعالى:
والذي قال لوالديه أف لكمآ..
[الأحقاف: 17] فماذ يشغل هذين الوالدين في هذه المرحلة من عمر الابن؟ لم ينشغلا بالقبول ثم الثانوية ثم الجامعة، أبدا إنما بالأمر الأحق والأهم، وهو مسألة الدين والعقيدة، فهذه أولى بالاهتمام في الصغر حتى يشب عليها. لذلك نستقبل المولود بألفاظ الأذان لنغرسها فيه وفي تكوينه وهو صافي الذهن نقي القلب، فترسخ عنده، وتتمكن منه ولا تفارقه، على حد قول القائل: