تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" أنا وكافل اليتيم كهاتين فى الجنة ".

لأن الأب لو مات وترك أولادا إذا لم يجدوا من المجتمع من يرعاهم ويكون لهم والدا بدلا عن والدهم، إذا لم يجدوا هذا نشأ عندهم حقد على باقي الأولاد وحقد على المجتمع كله، وربما تعدى ذلك إلى التمرد على الله الذي كتب عليهم اليتم. وكلمة

كما ربياني صغيرا

[الإسراء: 24] تعني أن التربية لها وقت هو وقت الصغر، لذلك أذكر أنني دعيت لإلقاء محاضرة بعنوان.

تربية الشباب، وكانت في إحدى جامعاتنا لكن قبل أن أبدأ المحاضرة قلت: أستأذن السيد مدير الجامعة في تغيير عنوان المحاضرة لأن الشباب لا يربى، الشباب طاقة تستغل في حركة الحياة، الشباب تربى بالفعل. فلو قلنا تربية الشباب كان هذا العنوان غير صحيح، بل تربية الطفولة أو النشء، لأن الطفولة هي العجينة التي تقبل التشكيل دون أن تعترض، أما الشباب فقد تم تشكيلهم، لذلك يعترضون ولهم تتنيحة حين توجه له نقدا أو توجيها. لكن الشباب الموجودين بالجامعة قالوا: نحن ربينا خطأ فاستأنفوا تربيتنا من جديد. فقلت لهم: إذن فاستأنفوا معنا طفولتكم وتقبلوا التوجيه والنقد دون أن تعترضوا، كونوا مثل المريض بين يدي الطبيب يقبل ما يقول دون مناقشة. ومن أخطائنا في التربية أننا نطيل فترة الطفولة عند أولادنا، فالأسرة تظل تحتضن الابن وتنفق عليه حتى سن العشرين والخامسة والعشرين. لذلك فاقنا الغرب في هذه المسألة، فالولد عندهم حين يصل سن البلوغ يستقل عن أسرته وينفق على نفسه حتى لو كان أبوه مليونيرا. وبذلك كثرت الأيدي العاملة، وقلت البطالة، وزاد الإنتاج، وهذه كلها وسائل للتقدم نفتقدها نحن، ولم نتمكن حتى الآن من استغلال طاقات الشباب. إنك لو ذهبت إلى عاصمة من عواصم الغرب فلن ترى هناك الشباب يملأ الشوارع والنواصي، ولن تجد قهاوي تمتلئ بالعاطلين، لكن تراهم في وقت الراحة يخرجون كالجراد لتناول الغداء، لكن الخطأ الذي وقعوا فيه أنهم عمموا هذا الحكم على الفتى والفتاة. وكلمة

ربياني..

[الإسراء: 24] للمثنى يعنى: الوالد والوالدة، فلكل منهما دوره في التربية، فالأب يجلب، والمرأة تدبر وتقوم على شئون بيتها. فهما إذن شركاء في هذه المسألة، ووجود المرأة بصفة عامة في البيت يجعل تأثيرها أقوى من تأثير الرجل في عملية التربية، ولذلك حينما نهتم بالتربية النوعية نعطي الولد ما يناسبه، ونعطي البنت ما يناسبها. لذلك يجمل بنا الآن أن نذكر وصية الأم العربية لابنتها، وهي تجهزها للانتقال إلى بيت الزوجية، فتقول لها: أي بنية إن الوصية لو تركت لفضل أدب لتركت لذلك منك، ولكنها تنبيه للغافل ومعونة للعاقل. أي بنية، إنك غدا تفارقين البيت الذي فيه نشأت والعش الذي فيه درجت إلى بيت لم تألفيه، وقرين لم تعرفيه، فكوني له أمة يكن لك عبدا. أي بنية: لو أن المرأة استغنت عن الرجل لغنى أبويها وعدم حاجتها إلى غيرهما لكنت أغنى الناس عنه، ولكن النساء للرجال خلقن، ولهن خلق الرجال. أي بنية احفظي عني عشر خصال تكن لك ذخرا: أما الأولى والثانية: فالمعاشرة له بالقناعة وحسن السمع له والطاعة، وأما الثالثة والرابعة فالتفقد لمواقع عينيه وأنفه، فلا تقع عينه منك على قبيح، ولا يشم منك إلا أطيب ريح. وأما الخامسة والسادسة فالتفقد لوقت منامه وطعامه، فإن تواتر الجوع ملهبة، وتنغيص النوم مغضبة، وأما السابعة والثامنة فالاحتراس لماله والإرعاء على حشمه وعياله.

وملاك الأمر في المال حسن التقدير، وفي العيال حسن التدبير. وأما التاسعة والعاشرة فلا تعصن له أمرا ولا تفشن له سرا، فإنك إن خالفت أمره أوغرت صدره، وإن أفشيت سره لم تأمني غدره. ثم إياك والفرح بين يديه إذا كان مهتما أو الكآبة بين يديه إذا كان فرحا. هذه وصية أمامة بنت الحارث لابنتها أم أناس بنت عوف بن محلم الشيباني، وهذه الوصية كانت قبل الإسلام، ومع ذلك فيها من الآداب والنصائح ما إن أخذت به الزوجة في عصرنا الحاضر لحلت معظم المشاكل الأسرية التي تمتلئ بها المحاكم اليوم. ولو ربت كل أم ابنتها على هذه الآداب لانصلح حالنا، لكن الواقع أننا تركنا هذه النصائح وغفلنا عن العمل بها في بيوتنا، بل وتركنا البيوت للخادمات، وتركنا التربية لغير أهلها حتى صرنا إلى ما نحن فيه. وقوله سبحانه: ﴿ حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي.. ﴾ [الأحقاف: 15] هذا طور آخر من أطوار الحياة هو طور البلوغ ﴿ بلغ أشده.. ﴾ [الأحقاف: 15] أي: بلغ الغاية في اكتمال الجسم والقوة والعقل. ومن ذلك قوله تعالى في سيدنا يوسف:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٤٨٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٤٨٣