تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولما بلغ أشده آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين

[يوسف: 22] وقال في سيدنا موسى:

ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين

[القصص: 14]. إذن: بلوغ الأشد والاستواء واكتمال البدن والجسم والقوة واكتمال العقل هو بداية إلقاء الحكمة وهو بداية التكليف، فلو كلف قبل البلوغ ثم طرأ عليه البلوغ ومرحلة المراهقة وما تفعله من تغيرات بالجسم ربما يقول العبد: لقد طرأ علي تغيرات لم تكن في بالي عند الإيمان بك لذلك أجل العملية كلها حتى سن البلوغ، وهو منتهى النضج. ومنتهى النضج في الإنسان أن يصير قادرا على إنجاب مثله، كذلك الحال في الثمار مثلا، قلنا: إن البطيخة لا تحلو للأكل إلا إذا استوى لبها واسود بحيث إذا زرعته يعطيك نباتا جديدا، فإذا أكلت هذه ضمنت لك وجود غيرها. لكن إذا حلت ولبها غير مستو أكلتها ثم تزرع اللب فلا ينبت، إذا هنا حكمة لبقاء النوع. لذلك يقول تعالى:

انظروا إلى ثمره إذآ أثمر وينعه..

[الأنعام: 99] كلمة ينعه أنك تضمن أن تأتي بشجرة جديدة. كما أنك تلاحظ في الشجر المثمر أنك إذا لم تقطف الثمار تقع هي بطبيعتها. ومن حكمة الخالق سبحانه وعجائب الخلق أنك في مرحلة النمو وقبل سن البلوغ تجد أن عملية النمو تتم بحساب وإعجاز محكم، فأشياء في الجسم تنمو ومثيلاتها في الجسم لا تنمو. خذ مثلا الشعر ينمو ونقصه من حين لآخر، أما شعر الحاجبين مثلا والرموش فلا ينمو، كذلك العظام تنمو بنمو الطفل إلى أن يبلغ الأشد، في حين أن الأسنان وهي أيضا عظام تقف عند شكل معين ولا تنمو، ولو كانت تنمو كنمو باقي العظام لصارت مثل ناب الفيل.

إذن: المسألة ليست كما قلنا ميكانيكا إنما هي هندسة من مبدع هذا الكون سبحانه. ﴿ وبلغ أربعين سنة قال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي.. ﴾ [الأحقاف: 15] لأن سن الأربعين هي السن التي ينبغي أن يقف الإنسان عندها ويحاسب نفسه ويصحح مساره. سن الأربعين هو قمة النضج العقلي، وهي أيضا بداية الانحدار نحو النهاية، لذلك يلفت الحق سبحانه نظرنا إلى الأربعين بالذات لنقف ونتدارك ما كان. كلمة ﴿ أوزعني.. ﴾ [الأحقاف: 15] يعني: ألهمني وأعني وقوني ﴿ أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي.. ﴾ [الأحقاف: 15] بداية من نعمة الإيجاد، ونعمة السلامة والعافية، ونعمة الإسلام، ونعمة التوفيق للطاعة، ونعمة أن جعلت لي أبا وأما قاما على تربيتي. ثم يعدي الشكر إلى الوالدين ﴿ وعلى والدي.. ﴾ [الأحقاف: 15] لأن النعمة عند الوالد نعمة عند ولده ﴿ وأن أعمل صلحا ترضه.. ﴾ [الأحقاف: 15] أي: وفقني وأعني على العمل الصالح. والعمل الصالح هو الاستقامة بتنفيذ الأمر واجتناب النهي فيما ورد فيه نص، أما ما لم يرد فيه نص فلك الحرية تفعل أو لا تفعل. ﴿ ترضه.. ﴾ [الأحقاف: 15] يعني: بأن يكون هذا العمل وفق المنهج الذي شرعت، أو ترضاه فتقبله، أو تثيبني عليه. ﴿ وأصلح لي في ذريتي.. ﴾ [الأحقاف: 15] دعاء بأن يجعل صلاحه ممتدا في ذريته، أو أنني يا رب أسرفت على نفسي وقصرت، ولا أريد ذلك لذريتي، أريد لها الصلاح الذي لم يتحقق لي. وهذا مبدأ معروف أن الأب يحب أن يتدارك ما فاته في حياته يحققه في حياة أولاده، وذريته من بعده، يريد أن يحقق فيهم الكمال الذي لم يصل هو إليه، لذلك يكون الإنسان سعيدا لو تفوق ولده عليه. وتأمل الفعل ﴿ وأصلح.. ﴾ [الأحقاف: 15] تجده يتعدى بنفسه، فلماذا ذكر في فقال ﴿ وأصلح لي في ذريتي.. ﴾ [الأحقاف: 15] ولم يقل: وأصلح لي ذريتي؟ ما الضرورة لذلك؟ الأسلوب هنا كأنه جعل الذرية ظرفا للإصلاح، وظرف الإنسان قلبه. لذلك ورد في الحديث الشريف:

" ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب "

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٤٨٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٤٨٤