تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

" إذا ملكتم فاستوصوا بالأنصار خيرا "

إذن لو كانت الإمارة فيهم لم تكن الوصية بهم. ومن المسائل الطريفة التي كانت بين علي وعمر أن عليا دخل عليه فوجده مغضبا، فقال: ما أغضبك يا أمير المؤمنين؟ قال: سألت حذيفة: كيف أصبحت يا حذيفة؟ فقال: أصبحت أحب الفتنة، وأكره الحق، وأصلي بغير وضوء، ولي في الأرض ما ليس لله في السماء. فضحك علي وقال: صدق يا أمير المؤمنين، فقال: أتقولها يا أبا الحسن؟ قال: نعم، هو يعني: أصبح يحب ماله وولده، وقرأ:

إنمآ أموالكم وأولادكم فتنة..

[التغابن: 15]. ويكره الحق، يعني: الموت، ومن منا يحبه يا أمير المؤمنين، ويصلي بغير وضوء، يعني: يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم. وله في الأرض ما ليس لله في السماء. أي: له زوجة وولد. والعجيب أن نسمع في زماننا من يقلل من شأن هؤلاء، بل يريد أن يلغي شخصيات أبي بكر وعمر وعلي من تاريخنا. ثم نلاحظ أيضا في هذه الآية أن الحق سبحانه قال: ﴿ حملته أمه كرها ووضعته كرها.. ﴾ [الأحقاف: 15] أي: كارهة أو على مشقة، وفي الآية الأخرى:

حملته أمه وهنا على وهن..

[لقمان: 14]. والوهن أي الضعف نتيجة الحمل والولادة، أما الكراهية لهذه المسألة فتأتي من أن النساء لها طبائع مختلفة، فمنهن من تحب هذه العملية، ومنهن من تكرهها لكن تطيع زوجها وهي كارهة ثم تتحمل بعد ذلك مشاق الحمل والوحم ثم الآم الوضع، وبعد الولادة تنشغل بالمولود وتحنو عليه. في حين ينشغل الوالد بالسعي وطلب الرزق، لذلك يغلب على الرجل العقلانية وعلى المرأة العاطفة كل حسب مهمته في الحياة.

لذلك يخطىء البعض في فهم حديث النبي صلى الله عليه وسلم

" عن المرأة وأنها خلقت من ضلع أعوج، وأعوج ما في الضلع أعلاه فإن رحت تقيمه كسرته، وكسرها طلاقها ".

وحين نتأمل هذا الحديث نجد اعوجاج الضلع لحكمه، لأن الضلوع خلقت لتصون أثمن وأهم جهازين في الجسم هما القلب والرئتان، ولو كان الضلع معتدلا ما أدى هذه المهمة. وهل نقول مثلا عن الخطاف أنه أعوج، أو أن اعوجاجه عيب فيه؟ أبدا لأن طبيعة عمله ومهمته تقتضي أن يكون على هذا الشكل، إذن: شبه رسول الله صلى الله عليه وسلم المرأة بالضلع، لأن مهمتها العطف والحنان. الحق سبحانه لما وصانا بالوالدين أتى بحيثيات الوصية بالأم، ولم يذكر شيئا من حيثيات الوصية بالأب، قالوا: لأن دور الأم جاء في زمن ليس للطفل فيه إدراك يدرك به دور أمه وفضلها في مرحلة الحمل والولادة والرضاعة. أما دور الأب من الإنفاق والرعاية فيأتي في زمن الطفل فيه مدرك لجميل والده، فاهم لدوره في تربيته والقيام على أمره، لذلك احتاج الولد أن نذكره بدور أمه وفضلها، لأنه غير مدرك له، أما دور الوالد فهو يعرفه. ما دمنا بصدد الحديث عن دور الوالدين في التربية فلا بد أن نذكر قول الحق سبحانه:

وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا

[الإسراء: 24] فهذه الآية تعطينا منهج التربية العام لكل الأطفال. فالوالدان استحقا هذه الوصية لأمرين أنهما سبب الوجود المباشر الذي يذكرك بسبب الوجود الأعلى، وهما يقومان بالتربية فيذكرانك بالمربي الأعلى سبحانه. فالله رب ومرب، خلقنا من عدم وأمدنا من عدم، فهو الذي ربانا وأمدنا بأسباب التربية. إذن: الوصية بالإحسان إلى الوالدين تعطينا دربة على الإحسان في علاقتنا بالله خالقنا ومربينا. ثم نفهم من هذه الآية أيضا أن التربية وحدها سبب وحيثية للإحسان، فقد يربي الطفل غير والديه فيكون لمن رباه فضل عليه يستوجب الإحسان لأنه قام بشطر العملية. فالوالد والوالدة لهما فضل الإيجاد، والمربي له فضل التربية وله نصف الثواب، وهذه المسألة تشجع على كفالة الأيتام وتربيتهم ابتغاء وجه الله. فمن مات أبوه فالمجتمع كله أبوه، لذلك قال صلى الله عليه وسلم:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٤٨٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٤٨٢