تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فلا تقل لهمآ أف ولا تنهرهما

[الإسراء: 23] وأف: اسم فعل مضارع بمعنى أتضجر، وهي تدل على الضيق. فاحذر أن تقول لهما هذه الكلمة أو تتأفف منهما خاصة حال كبرهما عندما يردان إلى أرذل العمر ويكونان في أمس الحاجة للحنان والرعاية. ففي هذه السن يعود الإنسان إلى الطفولة مرة أخرى، فيحتاج من يحمله ويقعده ويؤكله، وربما حدث منه ما يدعو إلى التأذي، فإياك أن تتأذى منه في هذه الحالة.

ربما ارتعشت به قدماه فوقع على الأرض أو كسر فازة مثلا، فاحذر أن تظهر له ما يؤذيه، واعلم أنك مثاب على هذا، وأنه مدخر لك ودين سيؤدى، ومن بر والديه بره أبناءه. ويكفي أنك حين تبره وتتحمل أذاه تفعل ذلك وأنت تتمنى موته، وقد فعل معك أكثر من هذا وكان يتمنى لك طول العمر. وفي ضوء هذه العلاقة بين الآباء والأبناء نفهم حديث سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:

" يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج ".

فالزواج المبكر فوق أنه عصمة لصاحبه هو أيضا، كما قال العربي: أقرب طريق لإنجاب أب يرعاك في طفولة شيخوختك، حيث يصير الولد في هذه الحالة في منزلة الأب الذي يرعى ولده. وفي موضع آخر قال الحق سبحانه:

ووصينا الإنسان بوالديه حسنا..

[العنكبوت: 8] وفرق بين حسن وإحسان، فالإحسان أن تفعل معهما فعلا حسنا، أما الحسن فهو مصدر هذا الفعل واسم هذه العملية التى تقوم بها، كما تقول فلان عادل، وفلان عدل. يعني: بلغ الغاية في تحقيق العدل حتى جعلته هو والعدل شيئا واحدا. إذن: الحسن أبلغ من الإحسان، ورد الإحسان بأحسن منه مبدأ إسلامي، لذلك قال تعالى:

وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منهآ أو ردوهآ..

[النساء: 86]. والحق سبحانه لم يأت بحيثية:

ووصينا الإنسان بوالديه حسنا..

[العنكبوت: 8]. وإنما قال بعدها:

وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهمآ..

[العنكبوت: 8] يعني: حتى في وضع المخالفة العقدية حفظ لهما هذا الحق وأكد ووصى على برهما على أحسن ما يكون البر:

إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون

[العنكبوت: 8] وفي الآية الأخرى قال:

فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا..

[لقمان: 15]. قالوا: لأن الآباء على قسمين: أب يكون في حاجة إلى ولده ليعيش، وأب لا يحتاج لولده يعني: غني بنفسه، فمن كان في حاجة فعليك أن تصاحبه بالمعروف يعني: تعينه وتقيم حياته إقامة كريمة، ومن كان غنيا بنفسه فهو وشأنه، ومرد الجميع إلى الله. وهنا في الآية التي معنا لم يقل حسنا ولا إحسانا، بل ذكر حيثية الوصية فقال: ﴿ حملته أمه كرها ووضعته كرها وحمله وفصله ثلثون شهرا.. ﴾ [الأحقاف: 15] فحدد هنا مدة الحمل مع الرضاعة جملة واحدة، وفي آية أخرى قال عن الرضاعة وحدها:

وفصاله في عامين..

[لقمان: 14]. إذن: كل آية أخذت لقطة، وبجمع الآيتين أمكننا أن نحل بعض الإشكالات في مسألة مدة الحمل ومدة الرضاعة. فقد روي أن سيدنا عليا رضي الله عنه دخل على سيدنا عمر وعنده امرأة يريد أن يقيم عليها حد الزنا لأنها ولدت لستة أشهر وهي في بيت زوجها، والمشهور عندهم أن مدة الحمل تسعة أشهر.

فقال علي: على رسلك يا ابن الخطاب، ثم قرأ عليه هذه الآية: ﴿ وحمله وفصله ثلثون شهرا.. ﴾ [الأحقاف: 15] وقال في الآية الأخرى:

وفصاله في عامين..

[لقمان: 14]. وبطرح العامين من الثلاثين شهرا يكون من الجائز أن تكون فترة الحمل ستة أشهر، وهي أقل فترة ممكنة للحمل. لذلك قال عمر: بئس المقام بأرض ليس فيها أبو الحسن، نعم لأن عليا رضي الله عنه اشتهر بالعلم والفتوى، لأنه دخل الإسلام وهو صبي، وشرب من معين النبوة منذ صغره، فكانت ثقافته من بدايتها ثقافة إسلامية، فكأن الخميرة الثقافية عنده منذ صغره إسلامية، في حين كان غيره أصحاب ثقافة جاهلية. ومن فقه الإمام علي وإلمامه بمسائل الشرع لما انتقل سيدنا رسول الله إلى ربه عز وجل، اجتمع المهاجرون والأنصار في السقيفة، ودارت بينهما مناقشات كل يريد أن تكون له الخلافة بعد رسول الله، وتطلع الأنصار إلى ذلك، ثم قالوا: منا أمير ومنكم أمير. فلما بلغ ذلك سيدنا عليا قال: لم تحسنوا حجاجهم. قولوا لهم أي للأنصار: ألم تسمعوا قول رسول الله

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٤٨١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٤٨١