وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم..
[النور: 59] ذلك لأن الإنسان مرتبط ومكلف تكليفا أعلى من الحق سبحانه ومطلوب منه أن يأتمر بأمره، وأن ينتهي عن نهيه. إذن: طبيعة الإنسان وتكريمه بصلته بالله جعلت فترة تربيته طويلة تناسب مهمته في الحياة. انظر مثلا إلى البقرة تلد فينزل ولدها يتحرك وينفض عن نفسه البلل، ثم يقف بعد دقائق ثم ينهض واقفا، ثم يجري حولها كل هذا في ساعة من الزمن. أما الولد عندنا فيستطيع الجلوس مثلا بعد عدة أشهر ثم يحبو ثم يقف ثم يمشي بعد سنة أو أكثر، بل وعندنا من يمد فترة الطفولة لأبنائه إلى سن 25 سنة، وهو في حكم الطفل يعوله وينفق عليه ولا يحمله المسئولية. والتوصية بالوالدين وردت في القرآن في أربعة مواضع مقرونة بعبادة الله:
واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالولدين إحسانا..
[النساء: 36] وقال:
وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا..
[البقرة: 83]. وفي سورة الأنعام:
قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا..
[الأنعام: 151] وفي سورة الإسراء:
وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا..
[الإسراء: 23]. هذه أربعة مواضع يأمر فيها الحق سبحانه الأولاد بالإحسان إلى الوالدين، ويقرن هذا لأهميته بعبادة الله وكأنهما في الميزان سواء لأن الوالدين كما ذكرنا هما سبب الوجود المباشر، وبرهما والإحسان إليهما تمهيد وتدريب يذكرك بالسبب الأعلى لوجودك، وهو الخالق سبحانه وتعالى. وهذه الوصية يلزمنا الله بها حتى إن كان الولدان كافرين كما قلنا في وصية عامة، يقول تعالى:
ووصينا الإنسان بوالديه حسنا وإن جاهداك لتشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهمآ إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون
[العنكبوت: 8]. وقال سبحانه:
وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا..
[لقمان: 15] فإذا كان الله تعالى يوصينا بالوالدين حتى إن كانا مشركين لأنهما سبب الوجود المباشر، فما بالك بسبب الوجود الأعلى سبحانه؟ وقد اعترض بعض المستشرقين هنا وقالوا: القرآن يقول:
فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا..
[لقمان: 15] وفي آية أخرى يقول:
لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوآدون من حآد الله ورسوله ولو كانوا آبآءهم أو أبنآءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم..
[المجادلة: 22]. فرأى تعارضا بين الآيتين، وهذا ناتج عن عدم فهم اللغة وعدم الإلمام بأساليبها وأسرارها، فهناك فرق بين الود والمعروف. الود منشؤه الحب والعاطفة القلبية، أما المعروف فجميل تصنعه مع من تحب ومع من تكره. والحق سبحانه حينما يأمرنا ببر الوالدين إنما ليعطينا دربة ورياضة على أن تبر من خلقك وخلقهم، وهو الموجد الأعلى سبحانه. وكلمة إحسانا مصدر أحسن. والإحسان في الشرع أن تصنع من الخير والمعروف فوق ما فرض عليك ومن جنس ما فرض عليك، وهذا المعنى شرحه لنا الحق سبحانه في سورة الذاريات:
إن المتقين في جنات وعيون * آخذين مآ آتاهم ربهم إنهم كانوا قبل ذلك محسنين
[الذاريات: 15-16]. ثم يصفهم ويعطينا حيثيات الإحسان:
كانوا قليلا من الليل ما يهجعون * وبالأسحار هم يستغفرون * وفي أموالهم حق للسآئل والمحروم
[الذاريات: 17-19]. وواضح أن هذه المسائل الثلاثة المذكورة ليست فرضا على المسلم، بل هي زيادة من جنس ما فرض عليه، ألا تراه يقول في الأموال:
حق للسآئل والمحروم
[الذاريات: 19] لكن عندما يتحدث عن فريضة الزكاة يقول:
حق معلوم
[المعارج: 24]. فالحق المعلوم هو الزكاة الواجبة، لكن حق هكذا مطلقة، فهي للصدقات التي تخرج زيادة على الفريضة، ومن يقدم هذه الزيادة في الطاعة تدخله في دائرة الإحسان التى هي أعلى مراتب العبادة. كذلك الحق سبحانه يأمرنا ببر الوالدين والإحسان إليهما، لأن لهما فضلا علينا في الإيجاد وفي التربية وفي الإنفاق، فيجب أن نعطيهم أكثر مما يستحقون، وحين تعطي أكثر مما يجب عليك فأنت محسن إليهما. إذن: الأمر في بر الوالدين لا يتوقف عند الواجب الضروري إنما يتعداه إلى مرتبة الإحسان. لذلك الحق سبحانه حينما يحدثنا عن حق الوالدين يقول: