رب المشرق والمغرب..
[الشعراء: 28] وفي موضع آخر قال:
برب المشرق والمغرب..
[المعارج: 40] وقال
رب المشرقين ورب المغربين
[الرحمن: 17]. نعم، هي مشارق متعددة ومغارب متعددة، لأن كل مكان له مشرق وله مغرب، وكل مشرق في مكان مغرب في مكان آخر وهكذا، ألا ترون في الصيام مثلا أننا نفطر في القاهرة قبل الاسكندرية بخمس دقائق، لماذا؟ لأن مشرق القاهرة غير مشرق الإسكندرية، ومغرب القاهرة غير مغرب الإسكندرية، لذلك نسمع المذيع يقول: مع مراعاة فروق التوقيت، أي: الفروق الزمنية بين كل مكان ومكان. إذن: المتأمل في حركة الشمس يجدها في لحظة لها شروق ولها غروب، وعليه فذكر الله في الصلاة وفي الآذان يسيح في الزمن كله بلا انقطاع، لذلك يقول أهل التصرف: يا زمن وفيك كل الزمن، فأنت حين تصلي الفجر، هناك غيرك يصلي الظهر، وغيره يصلي العصر، وغيره يصلي المغرب، وغيره يصلي العشاء في الوقت نفسه وفي اللحظة نفسها، فتجد الحق سبحانه معبودا في كل وقت بكل أنواع العبادة. وإن أردت الدقة أكثر فاجعل هذه المسألة مرتبطة بعقرب الثواني في ساعتك لا عقرب الدقائق ولا الساعات، ففي كل ثانية لله مؤذن يؤذن: الله أكبر. وغيره يقول: أشهد ألا إله إلا الله، وغيره في نفس اللحظة يقول: أشهد أن محمدا رسول الله وهكذا. فكأن شهادة ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله دائمة بدوام الزمن لا تنقطع من الوجود أبدا. ثم يعطينا الحق سبحانه ملحظا آخر للشمس والقمر لأنهما من أعظم المخلوقات، وعرف عنهما الثبات والدقة والعظمة في الخلق، حتى أن بعض الناس عبد الشمس أو القمر، فأراد الحق سبحانه أن يلفت الخلق إلى عظمة الخالق الذي هو أولى بالعبادة من مخلوقاته. فجعل الشمس والقمر يعتريهما تغيير هو الكسوف والخسوف، فمهما كانت الشمس، ومهما كان القمر هما مخلوقان متغيران، والمتغير لا يكون معبودا أبدا لذلك قال سبحانه في الآية التي معنا: ﴿ لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون ﴾ [فصلت: 37]. الحق سبحانه في أول الآية قال: ﴿ ومن آياته اليل والنهار والشمس والقمر.. ﴾ [فصلت: 37] والآية هي الشيء العجيب في الخلق البديع في نظامه وإحكامه، وهذا الخلق العظيم ينبغي أن يعظم بتعظيم الله له، لكن لا يجوز أن يتعدى هذا التعظيم إلى حد العبادة، وإلى حد السجود للمخلوق مهما كان عظيما، لأنه مخلوق متغير، والإله لا يتغير من أجل العباد، لكن العباد يتغيرون من أجل الله. وهذه المسألة تفسر لنا قضية سجود الملائكة لآدم عليه السلام، فلم يكن سجود عبادة، إنما كان امتثالا لأمر الله لهم بالسجود لآدم، لكن لماذا أسجد الله الملائكة لآدم؟ قالوا: لأن آدم سينزل إلى الأرض، وستكون له حركة إعمار فيها، وستكون الملائكة في عونه تساعده على أداء مهمته في الأرض، الملائكة الموكلون بأمور الدنيا وهم المدبرات أمرا، وكما قال تعالى في وصفهم:
له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله..
[الرعد: 11]. فالملائكة الذين أمروا بالسجود ليس هم كل الملائكة، إنما الذين لهم علاقة بالإنسان، فكأن الحق سبحانه يعرفهم على هذا المخلوق الجديد، الذي سيكونون في خدمته، فاسجدوا له سجود خضوع وامتثال، ليعلموا أنهم في خدمته يدبرون له الأمور. لذلك ورد في الحديث الشريف
" يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر فيصعد إليه الذين باتوا فيكم فيسألهم وهو أعلم بكم: كيف تركتم عبادي فيقولون: أتيناهم وهم يصلون، وتركناهم وهم يصلون "
يعني: على هيئة ورديات دائمة لا تنقطع. ومن الملائكة نوع آخر لا دخل له بالإنسان، ولا علاقة له به، بل لا يدرون عن عالمنا هذا شيئا، وهم العالون الذين قال الله فيهم في الحديث عن إبليس: