تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وللآخرة خير لك من الأولى

[الضحى: 4] فمعاودة الوحي ستكون أعظم من الأولى وخير منها، لأن المعاودة ستكون أطول وأقوى. وكما دخلت هذه الآيات الكونية التي هي الليل والنهار والشمس والقمر في العقيدة في قصة سيدنا إبراهيم وفي الوحي المنزل على سيدنا رسول الله، كذلك دخلت في حل بعض الإشكالات في قضايا اجتماعية اهتم الإسلام بها، وهي قضية المساواة بين الرجل والمرأة. وهذه قضية كثر الجدل فيها، وأخذها المغرضون ذريعة للهجوم على الإسلام، مع أن الإسلام أعظم دين أنصف المرأة وأعطاها حقوقها، وألزم المجتمع باحترامها، الإسلام ينظر إلى الرجل والمرأة على أنهما نوعان من جنس واحد يعني: هما في الأصل شيء واحد. إذن: لا بد أن يكون بينهما قدر مشترك ولما انقسما إلى قسمين ذكر وأنثى، صار بينها قدر غير مشترك، وصار لكل منهما مهمته في حركة الحياة، ولكي يوضح لنا السياق القرآني هذه المسألة قال تبارك وتعالى:

والليل إذا يغشى * والنهار إذا تجلى * وما خلق الذكر والأنثى * إن سعيكم لشتى

[الليل: 1-4] فكما أن الليل والنهار متكاملان متعاونان غير متعاندين، وكما أن لكل منهما مهمته في الحياة، هذا للعمل وهذا للراحة، فكذلك حال الرجل والمرأة، عنصران لشيء واحد، وهما يتكاملان ويتعاونان لا يتعاندان كالليل والنهار، فحين تنظرون إلى الرجل والمرأة لا تنظروا إليهما على أنهما نوعان مختلفان في الجنس قد يكون بينهما تعاند، لأنهما من جنس واحد، والجنس الواحد لا يصادم بعضه بعضا، الجنس الواحد رسالته واحدة، الكل يتعاون في حملها كل بما يناسبه وبما خلقه الله له، وبما أعطاه من قدرات وإمكانيات.

وهذه قضية اختلفوا فيها، خاصة الملاحدة الذين نظروا إلى الجنس، ولم ينظروا إلى ما تحته من الذكر والأنثى، فرغم الاختلاف بين النوعين إلا أنهم أرادوا أن يكون لهما مهمة واحدة لا اختلاف بين الذكر والأنثى. لذلك الحق سبحانه يعطينا هذا المثل التوضيحي: الليل والنهار، وهل مهمة الليل كمهمة النهار؟ لكل مهمته وطبيعته، ومن يعاند هذه الطبيعة يتعب في حركة حياته. كذلك جعل الرجل للعمل وللقوة والسعي، وجعلت المرأة للعاطفة واستقبال الأبناء وتربيتهم، خاصة وطفولة الإنسان هي أطول طفولة في الكائنات، والإشراف عليها مهمة المرأة ولا يجيدها الرجل. فالحق سبحانه حينما يعطينا هذا المثل يعلمنا أن نرد ما اختلفنا فيه إلى ما اتفقنا عليه، فكما أننا لا نختلف في مهمة الليل ومهمة النهار، كذلك ينبغي ألا نختلف في مهمة الرجل والمرأة، وألا نردد كلمة المساواة هكذا دون فهم لطبيعة كل من الرجل والمرأة ودور كل منهما الذي خلقه الله له. وفي موضع آخر يعلمنا الحق سبحانه هذه الحكمة من خلق الليل والنهار، فيقول سبحانه:

قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضيآء أفلا تسمعون * قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون

[القصص: 71-72]. وبعد ذلك، جعل سبحانه وتعالى للزمن مدخلا آخر غير الليل والنهار، وهو فترات الزمن: الساعات والدقائق والثواني، وبها يتم ضبط الزمن، والساعة التي تضبط لك الوقت لا تؤدي هذه المهمة إلا إذا كانت هي نفسها منضبطة تماما، لذلك جعل الله تعالى للشمس وللقمر مهمة أخرى هي مهمة ضبط الوقت، لذلك جعلهما منضبطتين في حركتهما بإحكام. يقول تعالى:

الشمس والقمر بحسبان

[الرحمن: 5] يعني: بحساب دقيق محكم لا يختلف أبدا ولا يدخله فساد، ومن حركة الشمس والقمر نحسب الوقت خاصة الأمور الدينية التي لا نستطيع أن نضبطها إلا بهذه الحركة. قال تعالى:

لتعلموا عدد السنين والحساب..

[يونس: 5] فمن حركة الشمس أعرف الليل والنهار، ومن حركة القمر أعرف بدايات الشهور ونهاياتها. إذن: من حركة الشمس والقمر والليل والنهار أستطيع أن أضبط حركة التكليف في الصلاة بأوقاتها المختلفة، هذه الأوقات التي تضمن دوام إعلان الولاء لله تعالى في كل وقت وفي كل مكان نتيجة لاختلاف المشارق والمغارب على مدار اليوم الكامل. لذلك قال تعالى:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٢٦٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٢٦٣