فسوهن سبع سموت..
[البقرة: 29]. هذه تسعة، ويبقى ثلاثة مواضع، واحد خاص بالوحي في قوله تعالى عن جبريل:
ذو مرة فاستوى
[النجم: 6] يعني: بلغ مداه. وواحدة في موسى:
ولما بلغ أشده واستوى آتيناه حكما وعلما وكذلك نجزي المحسنين
[القصص: 14] يعني: بلغ سن الرشد. وواحدة في التمثيل لهذه الأمة في الإنجيل، قال تعالى:
محمد رسول الله والذين معه أشدآء على الكفار رحمآء بينهم تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر السجود ذلك مثلهم في التوراة..
[الفتح: 29]. هذه صورة أمة محمد في التوراة، فهم قوم أشداء على الكفار رحماء على المؤمنين، وهم ركع سجد لهم سيمة وعلامة يعرفون بها، وهذه كلها قيم معنوية لم يأت فيها شيء مادي، ذلك لأن اليهود كانوا يؤمنون بالماديات، حتى أنهم أرادوا أن يخلعوا الماديات على الخالق الأعلى، لذلك قالوا لموسى عليه السلام:
أرنا الله جهرة..
[النساء: 153]. أما مثلهم في الإنجيل فلم يأت بقيم ولا روحانيات، إنما جعله مثلا ماديا بحتا، لماذا؟ لأن المسيحية كلها مواجيد دينية روحية، ليس فيها شيء من مادة الأرض، لذلك سئل سيدنا عيسى عن مسألة ميراث. فقال: لم أرسل مورثا.
لذلك جاء مثل أمة محمد عنده مثلا ماديا، فالمثل عند اليهود جاء روحانيا لأنها مفقودة عند اليهود، وجاء ماديا لأن المادية مفقودة عند النصارى، فقال:
ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار..
[الفتح: 29] هذا مثل مادي صرف، فالمثل المادي مفقود في المسيحية، والعنصر الروحي مفقود فيما اتخذه اليهود، فجاء الإسلام ليجمع بين العنصرين معا في دين واحد. هذه اثنتا عشرة موضعا ذكرت فيها مادة الاستواء، وكان الخلاف بين العلماء في المواضع السبعة التي تتكلم عن الاستواء على العرش، وهذه المواضع السبع في سبع سور جمعها الناظم في قوله:
ففي سورة الأعراف ثمة يونس
وفي الرعد مع طه فللعد أكد
وفي سورة الفرقان ثمة سجدة
كذا في الحديد فافهموا فهم مؤيد
كلمة ﴿ استوى.. ﴾ [فصلت: 11] إن كانت للعرش يقول: استوى على، وإن كانت للسماء قال: استوى إلى، البعض فهم استوى على أنه كاستواء المخلوق على الكرسي فوقعوا في التشبيه والتجسيم، أما استوى إلى السماء يعنيك قصدها وتوجه إليها بإرادته سبحانه. ذلك لأن العرش في الموجودات سمة التمكن من الحكم واستتباب الأمر للحاكم، فالحاكم إن كان عليه مشاغبات لا يستقر على العرش ولا يستتب له أمر الملك إلا إذا دان له الجميع وخضعوا. لذلك قال في بلقيس:
ولها عرش عظيم
[النمل: 23] يعني: استتب لها الأمر، فكلمة استوى على العرش دلت على أن الكون كله استجاب له وانقاد لأمره دون منازع لذلك قال هنا عن السماء والأرض ﴿ قالتآ أتينا طآئعين ﴾ [فصلت: 11]. وللعلماء في الاستواء عدة مقالات جمعها الناظم في قوله:
ولهم مقالات عليها أربع
قد حصلت للفارس الطعان
وهي استقر وقد علا وكذاك
قد صعد الذي هو رابع
فالمعنى هنا ﴿ ثم استوى إلى السمآء.. ﴾ [فصلت: 11] أي: قصدها وتوجه إليها بإرادته تعالى، واستوى على العرش يعني: استقر له الأمر واستتب، لأن كل الوجود استجاب له وانقاد، فلما قال للأرض وللسماء: ﴿ ائتيا طوعا أو كرها قالتآ أتينا طآئعين ﴾ [فصلت: 11]. لذلك قلنا: إن الحق سبحانه لم يقبل على قوله كن إلا لعلمه تعالى أن شيئا من ملكه لن يتخلف عن الاستجابة لأمره لذلك قال
وأذنت لربها وحقت
[الانشقاق: 2] يعني: فقط تسمع النداء فتستجيب فورا، لذلك شهد الله لذاته بذلك:
شهد الله أنه لا إله إلا هو..
[آل عمران: 18] وبشهادته سبحانه لنفسه أنه لا إله إلا هو قال لكل شيء: كن فكان. وبعد ذلك شهدت الملائكة، وشهد أولو العلم. وقوله: ﴿ وهي دخان.. ﴾ [فصلت: 11] أي: على هيئة الدخان الذي يسميه العلماء السديم، والمراد أن الكون كان على هيئة غازية، ومن هذه المادة الغازية تكونت الأرض والصخور والجبال. وبعد أن تكونت السماء والأرض أمرهما الخالق سبحانه { ائتيا طوعا أو كرها.