تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فبين هؤلاء صاح محمد بالإسلام وجهر به، ومع ذلك لم ينصر الدين هؤلاء السادة، إنما نصره المستضعفون والعبيد في المدينة، وقلنا: إن لهذه المسألة حكمة، هي ألا يظهر أحد أن العصبية لمحمد هي التي خلقت الإيمان بمحمد، ولكن الإيمان بمحمد هو الذي أوجد العصبية لمحمد. فالقرآن عربي لأنهم أمة الدعوة الذين سيحملون لواءها ويسيحون بها في أنحاء العالم كله، فالعرب أمة تقوم على الترحال ليس لهم بيوت، ولا يسكنون الفيلات والعمارات، إنما هي الخيمة يحملها معه أينما سار، فوطنه إذن العالم كله وبيته على ظهر جمله، كما أنها قبلية يتعصب كل لقبيلته، لذلك كثرت بينهم الحروب حتى أن بعضها استمر أربعين سنة. هذه الحروب دربتهم على القتال، وزرعت فيهم الشجاعة والتضحية بالنفس في سبيل المبدأ، لذلك لما أراد رسول الله أن يعد جيشا لم يفتح له مدرسة حربية، إنما وجد جيلا من الرجال جاهزا معدا يعلم كل فنون الحرب، كلما سمع أحدهم هيعة طار إليها. هؤلاء هم الرجال الذين سيتلقون الدعوة من رسول الله، هم الذين سينشرونها. إذن: لا بد أن يكون الكلام بلسانهم، والدعوة بلغتهم، ليستطيعوا حملها. لذلك قال تعالى في موضع آخر:

ومآ أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه..

[إبراهيم: 4] نعم لأنهم هم الذين سيسمعون منه أولا. لكن كيف تكون عالمية الدين؟ قالوا: حين يسمع منه قومه يؤمنون به، ثم يحملون دعوته إلى الناس لا ألفاظا، لكن يحملونها منهجا وسلوكا وقدوة، ومعلوم أن المناهج لا تختلف فيها اللغات، لذلك غزا المسلمون العالم كله، ليس بالقرآن وآياته إنما بالسلوك وبالمبادئ التي أرساها القرآن. إذن: نزل القرآن بلسان عربي، لأن العرب هم المعدون لهذه المهمة، القادرون على حملها، والسياحة بها في العالم كله لكونهم أمة بدوية غير متوطنة، وأمة قتال، وهي أمة أمية لا يمكن أن نتهمها باختلاق هذا الدين، أو أنه وثبة حضارية. وقوله: ﴿ لقوم يعلمون ﴾ [فصلت: 3] أي: يعلمون أساليب العربية، بل ويجودون فيها، فهم أعلى قمة الفصاحة والبلاغة، بدليل أنك لن تجد أمة في الأرض صنعت معارض للأدب وللكلمة كما صنع العرب في عكاظ والمربد وذي المجاز والمجنة، ففيها كانوا يعرضون إنتاجهم الأدبي ويقيمونه، وما استحسنوه منه يكرمونه بأن يضعوه على أستار الكعبة. إذن: ﴿ لقوم يعلمون ﴾ [فصلت: 3] العربية وينبغون فيها نبوغا، بحيث نزل القرآن المعجز بلسانهم. والإعجاز لا يتأتى لمن لا يجيد مجال الإعجاز، فالذي يجهل شيئا لا يصح أن تقول له: أتحداك في هذا الشيء، إنما يكون الإعجاز للمجيد في الشيء المتحدى به، لأن الجاهل له أن يقول لك: والله لو كنت أعلم الشيء الفلاني لغلبتك فيه.

ومن هنا تحدى الله العرب بالقرآن. ولذلك الحق سبحانه وتعالى لا ينزل آية مع رسول من رسله لإثبات صدقه في الدعوة إلا من جنس ما نبغ فيه القوم، فكانت معجزة سيدنا عيسى في الطب، فكان يبرئ الأكمه والأبرص بإذن الله، وسيدنا موسى عليه السلام كانت معجزته العصا، لأن قومه نبغوا في السحر، وجاءت معجزة محمد صلى الله عليه وسلم في البلاغة والبيان، فتحدى القوم بالقرآن، وبذلك يتأتى الإعجاز. لذلك نسمع من يقول: إن العرب انهزموا أمام القرآن، وهذا غير صحيح، لأن العرب لم ينهزموا بل انتصروا أمام القرآن، كيف؟ لأن الله تعالى لا يتحدى إلا قويا، فتحدى الله لهم دليل على أنهم قوة، لديهم القدرة على البيان ويمتلكون ناصية اللغة.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٢١٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٢١٦