تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والأحكام فيها أمر عقلي يفهم، وأمر سمعي يؤخذ مسلما به، فإن قلت: كيف نقف عند أمور في الدين لا تناقش. نقول: نعم لأن هذا الوقوف في أمور الغيبيات هو دليل إيمانك بالله، لأن الأمور العقلية يستوي فيها كل الناس. قلنا: لو عندك مبلغ تخاف عليه السرقة مثلا، ووضعته تحت حجر في الحديقة، وجاء آخر الشهر وأردت مثلا أن تعطي خادمك راتبه من هذا المال. تقول له: يا فلان ارفع هذا الحجر وهات ما تحته، فيقول لك: لا أقدر على رفعه وحدي، وسأنتظر فلانا يرفعه معي، تقول له: اعلم أن تحته الكيس الذي به النقود التي ستأخذ منها راتبك، عندها يذهب ويرفع الحجر وحده. أما إن قلت لشخص آخر: ارفع هذا الحجر فرفعه دون علة. فهل يستوي في طاعتك هذا وهذا؟ كذلك أمر العقائد، فرق بين من يؤمن بالأمور العقلية الحسية، ومن يؤمن ويصدق حتى بالأمر الغيبي الذي تخبر به. كذلك الحال في العقائد وفي الأحكام وفي القرآن كل فيه الأمر العقلي والأمر الغيبي، وعليك أن تحمل الأمور الغيبية على الأمور العقلية. والقرآن الكريم - وهذا هو موضوعنا - فيه كلام عقلي يفهم بالعقل، وحروف لا يفهم معناها إلا أن الله قالها، ولذلك نقول فيها: والله أعلم بمراده. وقوله: ﴿ حم * تنزيل من الرحمن الرحيم ﴾ [فصلت: 1-2] أنا أقول أن حم هذه هي التي يقول الله عنها ﴿ تنزيل من الرحمن الرحيم ﴾ [فصلت: 2] وما دامت تنزيلا من الرحمن الرحيم، فإياك أن تخوض فيها وتقول: ماذا تعني، أو أنها مبهمة.. إلخ لا بل قف عندها وخذها على أن لله فيها مرادا وهو أعلم به. واعلم أنه سبحانه يقول بعدها:

كتاب فصلت آياته..

[فصلت: 3] ففي القرآن إذن الأمران: الأمر الغيبي الذي ينبغي الوقوف عنده مثل حم، وهذه الغيبيات هي مجال اختبار الإيمان، ثم يعطيك أيضا الأمر العقلي المفهوم يفصله لك تفصيلا. كلمة ﴿ تنزيل.. ﴾ [فصلت: 2] من نزول الشيء، والنزول يكون من مكان عال إلى مكان منخفض عنه، أو من مكانة عليا إلى مكانة أدنى، وهذه المادة جاءت كثيرا تدل على نزول القرآن والمنهج من أعلى، وجاءت بكل الاشتقاقات: تنزيل، نزل، ننزل، نزلناه، أنزلنا

وبالحق أنزلناه وبالحق نزل..

[الإسراء: 105] وقال:

تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر

[القدر: 4]. لذلك ساعة تسمع كلمة ﴿ تنزيل.. ﴾ [فصلت: 2] تعلم أن الذي جاءك من أعلى منك منزلة حتى لو كانت مكانته عندك، وتحت رجليك كما قال في الحديد:

وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد..

[الحديد: 25] فالحديد معلوم أنه من الأرض من حيث نشأته وتكوينه، لكنه منزل من أعلى من حيث خالقه وواهبه لك. إذن: فكل هذه الاشتقاقات من نزل تدل على علو الشيء المنزل، ومنزل من من؟ ﴿ من الرحمن الرحيم ﴾ [فصلت: 2] فيجب أن تتلقى هذا المنزل إليك بالتسليم المطلق والقبول، لذلك سيدنا أبو بكر لما قالوا له: إن صاحبك يدعي أنه أسري به إلى بيت المقدس وعرج به إلى السماء لم يناقش هذه المسألة عقليا.

إنما قال لهم: إن كان قال فقد صدق. فجعل قول الله هو الأساس، فإن حدث منه القول فهو صادق، لذلك منذ هذا اليوم لقب بالصديق. مع أن الإسراء آية أرضية وفيه جانب عقلي، لأن المسافة معلومة لهم، وكيفية السفر إلى بيت المقدس معلومة زمانا ومكانا، ومع ذلك لم يناقش فيها. أما المعراج فهو أمر غيبي، فكأنه جعل تصديق محمد فيما يعلمون في الأرض وسيلة لتصديقه فيما لا يعلمونه في السماء. ونفهم أيضا من قوله تعالى: ﴿ تنزيل من الرحمن الرحيم ﴾ [فصلت: 2] أن التكليف الذي نزله الله لك لم يأت ليشق عليك، إنما هو من رحمن بك واسع الرحمة، رحمته وسعت كل شيء المؤمن والكافر. و الرحيم يعني: دائم الرحمة لأن رحمته تعالى تنسحب وتدوم حتى في الآخرة، فإن رأيت في التنزيل تكليفا تظنه يشق عليك، فلا تفهم أنه من قاس عليك، إنما هو من رحمن رحيم. رحمن بك، لأنه يدلك على ما يسعد دنياك ويسعد آخرتك، بدليل أنه سبحانه حين يكلفنا بأمور قد تشق على النفس العادية لا يستفيد من هذا التكليف، فسواء أن تكفر أو أن تؤمن، تصلي أو لا تصلي، لأنه سبحانه بصفة القدرة موجود، وإن لم تؤمن به وإن لم تصل. فعملك إذن لا علاقة له بالله من حيث النفع، العملية لصالحك أنت كما تقول لولدك مثلا: إذا نجحت هذا العام سأشتري لك كذا وكذا.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٢١٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٢١٤