لذلك تلحظ أن من أسماء الله تعالى الغفار
وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى
[طه: 82] ولم يقل غافر، لماذا؟ لأن الخلق فيهم غفلة، وفيهم معصية تتكرر، وتكرر المعصية يحتاج إلى تكرر المغفرة لذلك من رحمة الله بنا أنه غفار أي: كثير المغفرة. وقوله تعالى في حق سيدنا داود: ﴿ إنه أواب ﴾ [ص: 17] تشرح لنا فيما بعد معنى
وخر راكعا وأناب
[ص: 24]. ثم يقول تعالى: ﴿ إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق ﴾ [ص: 18] معنى: ﴿ بالعشي ﴾ [ص: 18] الوقت بعد الظهر إلى المغرب ﴿ والإشراق ﴾ [ص: 18] بعد شروق الشمس وهو وقت الضحى، ومعلوم أن الجبال جماد، والجماد هو أدنى الأجناس في الكون، فالإنسان هو سيد هذا الكون، وهو أعلى الأجناس، يليه الحيوان، ثم النبات، ثم الجماد. الحق سبحانه يخبرنا أن الجماد يسبح، وأن للجماد حياة في حين يظن الإنسان أن جماد يعني جامد لا حياة فيه، نعم لا حياة فيه بمقياسك أنت، لكن له حياة أخرى غير حياتك، أنت تسعى وتجري في طول الدنيا وعرضها، أما الجماد فثابت لا يتحرك. لكن لكل جنس حياة تناسبه، فأنت أيها الإنسان لك حياتان: حياة في حال اليقظة، وحياة أخرى في حال النوم، أقانونك وأنت نائم هو قانونك وأنت مستيقظ؟ إنك ترى في النوم الأشخاص والأشكال، وتميز بين الألوان، وتعيش قصة طويلة وتعي تفاصيلها، كل هذا وأنت نائم مغمض العينين، فبأي حاسة رأيت ما رأيت؟ بعد ذلك لك حياة أخرى مناسبة للموت، وحياة أخرى مناسبة للبعث. وإن أردت أن تستدل على أن كل شيء في الوجود له حياة تناسبه، فاقرأ إن شئت:
وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم..
[الإسراء: 44] بعض العلماء قال - ليخرج من هذا المطب - التسبيح هنا يعني تسبيح دلالة. يعني: هذه المخلوقات تدل على خالقها، وليس المراد تسبيح المقال، ولو كان التسبيح المراد تسبيح دلالة كما يقول ما قال الحق بعدها:
ولكن لا تفقهون تسبيحهم
[الإسراء: 44] لأننا نفهم تسبيح الدلالة. إذن: لا بد أن لها تسبيحا آخر، لا نعلمه نحن. كذلك في قوله تعالى في الطير:
والطير صآفات كل قد علم صلاته وتسبيحه
[النور: 41] فليس لنا أن نبحث في كيفية صلاة الطير، فكل جنس يعلم كيف يصلي لله خالقه، ألم تر النملة جنود سليمان فتسرع لتحذر قومها:
يأيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون
[النمل: 18] وتأمل هذا الاحتياط في قولها وعدالة الحكم في
وهم لا يشعرون
[النمل: 18] فهم ليسوا ظلمة ولا جبارين، وإن مروا عليكم سيحطمونكم من حيث لا يدرون ولا يشعرون بكم. ألم يعلم هدهد سليمان قضية التوحيد؟ ألم يكن سببا في هداية قوم ضلوا وعبدوا الشمس من دون الله حين عاد إلى سليمان، يقول
أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبإ بنبإ يقين * إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم
[النمل: 22-23]. والذي أغاظ الهدهد وأثر في نفسه أن يراهم يسجدون للشمس من دون الله:
وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون * ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السموت والأرض ويعلم ما تخفون وما تعلنون
[النمل: 24-25]. إن الهدهد يفهم القضية كاملة، بل ويجيد في ذلك ما لا يجيده الإنسان العاقل. والإنسان الذي يدل على الكون بعقله وفهمه، ألم يعلمه الغراب كيف يواري سوأة أخيه وجثته:
فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوءة أخيه..
[المائدة: 31]. إذن: فكل كون له عالمه، وله لغته، وله صلاته لله وخشوعه، فلا تفرض قانونا لتسحبه على قانون آخر، فتحيل كثيرا من الأشياء. وإن أردت سندا لهذا من نفس القرآن فاقرأ قوله تعالى:
ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة
[الأنفال: 42] فالهلاك نقيض الحياة. واقرأ: