كل شيء هالك إلا وجهه
[القصص: 88]. إذن: حين نجمع بين الآيتين نرى أن كل شيء له حياة خاصة به، وإن كنا لا ندرك نحن كنه هذه الحياة لكنها موجودة، بدليل أن كل شيء هالك. والآن بدأ العلماء يسجلون لغة الطير ولغة الحيوان ويتوصلون إلى حل شفرة هذه اللغات. ومن العجائب التي جعلها الله لتشرح لنا قدرته تعالى في كونه أنهم لما صنعوا الصاروخ ديسكافري، وأرادوا إطلاقه إلى الفضاء ووزنه 110 أطنان، وجدوا به عطلا يمنع انطلاقه، فلما بحثوا عن العطل وجدوا طائرا وزنه أربعة جرامات اسمه نقار الخشب نقر في الجدار العازل لخزان الوقود في الصاروخ اثنين وأربعين ثقبا فعطل الصاروخ عن الانطلاق، وهكذا سخر طائر وزنه أربعة جرامات وبنى عشه على هذا الصاروخ العملاق فعطل حركته. وكأن الطيور أرادت أن تثأر لنفسها لما رأت الإنسان يزاحمها في عالم الطيران لذلك وجدوا أن أكبر شيء يهدد الطيران هو عالم الطيور، وأن جماعات منها تعترض الطائرات، وتحوم حول المطارات وكأن هناك عداوة بينها وبين هذه المخلوقات التي تنازعها الطيران. لذلك فكر علماء الطيران في فكرة تطرد الطيور عن المطارات، فأخذوا فكرة أصوات الطيور التي تصدرها كإنذار لغيرها عند حدوث خطر وسجلوا هذه الأصوات وأذاعوها حول المطارات، لكن الطير تنبه إلى هذه الخدعة، ولم تعد تزعجه هذه الأصوات، لذلك لجأوا إلى وسيلة أخرى فقالوا: إن الطيور تخاف من الصقور، فصنعوا لها مجسمات من البلاستيك وعلقوها، لكن هذه الخدعة عرفها الطير، وسخر منها حين وضعت بعض الطيور أعشاشها على أجنحة هذه الصقور. إذن: للطير عالمه ومملكته وأسراره، عرفنا منها شيئا، وغابت عنا منها أشياء.
فإذا قرأت عن سيدنا داود: ﴿ إنا سخرنا الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق ﴾ [ص: 18] فاعلم أن الجبال تسبح على الحقيقة تسبيحا لا يعلمه إلا ربها وخالقها. والميزة هنا لسيدنا داود ليست في تسبيح الجبال لأن الجبال مسبحة دائما، إنما المعجزة هنا أنها تسبح معه وتردد معه نشيدا واحدا، فالكلام في معه أي تسبح مع تسبيحه. لذلك قلنا في قولهم: سبح الحصى في يد رسول الله، قلنا: عدلوا العبارة، لأن الحصى يسبح حتى في يد أبي جهل، فالصواب والمعجز أن نقول: سمع رسول الله تسبيح الحصى في يده. هذه هي العظمة. ومعنى ﴿ بالعشي.. ﴾ [ص: 18] العشي: الفترة بعد الظهر إلى المغرب ﴿ والإشراق ﴾ [ص: 18] أي: شروق الشمس، وقد أخذ بعض الأئمة من هذه الآية دليلا على مشروعية صلاة الضحى التي صلاها النبي صلى الله عليه وسلم، وبعضهم يقول عن هذه الصلاة: صلاة الإشراق. لكن أي عشي؟ وأي إشراق؟ هذا وقت وكل مكان له عشي وله إشراق يخالف الآخر. إذن: فهو وقت ممتد في كل وقت كما أوضحنا في الصلاة، فهي دائمة ممتدة لا تنقطع أبدا، ففي مكان يصلي الصبح، وفي آخر يصلي الظهر، وفي آخر يصلي العصر وهكذا. فكأن الخالق سبحانه أراد بهذه الدورة الزمنية أن يعبد سبحانه في كل جزئيات الزمان عبادة لا تنقطع في وقت من الأوقات. ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم:
" إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل "
ولا يخلو الزمن أبدا من ليل أو نهار، إذن: فالمعنى أنه سبحانه يده مبسوطة دائما. ثم يقول سبحانه: ﴿ والطير محشورة كل له أواب ﴾ [ص: 19] معنى محشورة أي: مجتمعة حول سيدنا داود، لأنه عليه السلام كان جميل الصوت حين يقرأ المزامير ويتغنى بها، فكانت الطير تجتمع عليه وتردد معه وترجع ما يقول: إذن: كانت منظومة إيمانية مكونة من سيدنا داود والجبال والطير، جميعهم يرددون تسبيحا واحدا، وكأنهم كما قلنا: كورس واحد. لذلك قالوا في ﴿ كل له أواب ﴾ [ص: 19] أي: داود والجبال والطير، كل منهم أواب لله خاضع له راجع إليه. وقوله: ﴿ وشددنا ملكه ﴾ [ص: 20] أي: قويناه وساندناه بالنصر والهيبة، النصر في كل شيء، والهيبة أقوى أسباب القوة لذلك إذا أراد الله أن يضعف الملك نزع الهيبة منه من القلوب، وحين لا يهابه الناس يتجرأون عليه. ﴿ وآتيناه الحكمة وفصل الخطاب ﴾ [ص: 20] الحكمة: وضع الشيء في موضعه المناسب له، والذي تأتي منه الثمرة المرجوة من أقصر الطرق وأيسرها، والحق سبحانه حين يأتي بلفظ من الألفاظ يأخذ أنسه بما في اللغة، فالحكمة مأخوذة من الحكمة، وهي اللجام الذي يوضع في حنك الجواد، فيسهل التحكم فيه وضبط حركته كما أريد، فأرخى له ليسرع، وأجذبه فيقف.