تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

38.40

لزلفى يعني: قربى، ودل على هذه القربى أن الله تعالى أعطاه ملكا لا ينبغي لأحد من بعده، وأعطاه حرية التصرف في هذا الملك، يعطي من يشاء، ويمنع من يشاء، وقد أعطاه الله هذا العطاء مقابل أنه علم أنه لن يصرفه في طغيان ولا في جبروت، ولا في إدلال على الناس، لكن سيضعه في موضعه الذي يريده الله، فأصبح مأمونا على عطاء الله. ومعنى ﴿ وحسن مآب ﴾ [ص: 40] أي: حسن مرجع ومرد إلى الله يوم القيامة. ثم ينتقل بنا السياق إلى قصة نبي آخر هو سيدنا أيوب عليه السلام: ﴿ واذكر عبدنآ أيوب... ﴾.

38.41

قوله تعالى ﴿ واذكر.. ﴾ [ص: 41] أي: بالحمد والثناء ﴿ عبدنآ أيوب.. ﴾ [ص: 41] الوصف بالعبودية هنا شرف، لأنه دل على إعزاز الربوبية لمرتبة العبودية، وقلنا: إن العبودية كلمة ممقوتة عند البشر، لأن العبودية للبشر إهانة وتسخير، يأخذ فيها السيد خير عبده وثمرة حركته في الحياة، أما العبودية لله تعالى فوصف محبوب، وكلمة محمودة، لأن العبد فيها يأخذ خير سيده. لذلك لما امتن الله تعالى على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في حادثة الإسراء والمعراج جعل حيثية ذلك العبودية له سبحانه، فقال:

سبحان الذى أسرى بعبده..

[الإسراء: 1] فلما ضاقت به حفاوة الأرض في الطائف أراد ربه أن يريه حفاوة السماء به، فالصفة التي رفعت محمدا إلى هذه المنزلة هي صفة إخلاصه في العبودية لربه. ومعنى ﴿ أني مسني الشيطان بنصب وعذاب ﴾ [ص: 41] المس: هو الالتقاء الهين الخفيف، يعني هو دون اللمس، قالوا: لأنه مرض مرضا شديدا أثر في إهابه، فكان الشيطان يحوم حوله بخواطر السوء يقول له: كيف يفعل الله بك هذا وأنت رسول، كيف يتركك هكذا دون أن يشفيك. وهكذا اجتمع على سيدنا أيوب ألم الجلد وعذابه الجسدي، وهواجس الشيطان في خواطره النفسية، لذلك قال: ﴿ بنصب وعذاب ﴾ [ص: 41] ونصب بالضم مثل نصب بالفتح والنصب التعب، فهي مثل بخل وبخل، الاثنان بمعنى واحد. وقالوا في مس الشيطان: إن الفعل على الحقيقة لله تعالى، فالله هو الذي يفعل، والشيطان بوسوسته سبب، والله تعالى هو المسبب، فمس الشيطان يعني وسوسته التي شغلت خاطر سيدنا أيوب، فكأن الحق سبحانه أراد من أيوب أن يتنبه إلى أن هذه الوسوسة ما كان يصح أن تمر بخاطره. وسيدنا أيوب لما اجتمع عليه المرض ووسوسة الشيطان ضعف فتوجه إلى ربه يدعوه أن يقطع عن نفسه وسوسة الشيطان لأنها تحتاج إلى مدافعة، والمدافعة تحتاج إلى قوة، والقوة عنده مرهونة بالمرض، ولذلك دعا الله حتى لا يزداد ضعفه بوسوسة الشيطان، فلما دعا الله أجابه: ﴿ اركض برجلك هذا مغتسل... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٠١٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٠١٤