تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

38.17-20

الصبر: استعلاء النفس على الأحداث بمعنى ألا تنال الأحداث من النفس ومن قوتها، لأن الذي يصاب بمصيبة يحتاج إلى قوة إضافية فوق قوته الطبيعية، فلا تجعل المصيبة أو الشدة تضعف من قوتك على تحمل الحدث. وإياك أن تجعل المصيبة مصيبتين، حين تضعف أمام الأحداث فيجتمع عليك المصيبة والضعف عن تحملها، ذلك لأن المصيبة بالنسبة للمؤمن على قسمين. الأول: مصيبة للإنسان دخل فيها كالطالب المهمل الذي يرسب في الامتحان، فالرسوب نتيجة إهمالك وتهاونك، فإن كنت ستغضب فاغضب من نفسك ولمها وعنفها، وحاول أن تصحح خطأها، وتصلح فسادها، هذه هي الرجولة التي تواجه الواقع ولا تتنصل من المسئولية. الثاني: صبر على حدث ليس للإنسان دخل فيه، وهذا هو الأمر القدري يجريه الله عليك، ولا يريد لك منه إلا الخير، وإن كنت تعتقد أنت أنه شر. لذلك قد يدعو الإنسان بما يراه خيرا له حسب قوانينه وفهمه للخير، لكن لا يرى إجابة فيغضب ويقول: دعوت فلم يستجب لي. وغفل أن ربه - عز وجل - أعلم بالخير أين هو، لذلك لم يجبه، إذن: فإجابته لك ألا يجيبك. لذلك يعلم الحق سبحانه المؤمنين الرد على الذين كانوا يشمتون في الأحداث تصيبهم، فيقول:

قل لن يصيبنآ إلا ما كتب الله لنا

[التوبة: 51] نعم، كتب الله لنا لا علينا، لأن المصيبة لا تأتي المؤمن إلا بالخير، فهي إما تمحيص لنا وإما علو لمرتبتنا، وإما ليعلم غير المؤمنين أن لأهل الإيمان جلادة أمام الأحداث، وصلابة لا تلين. ومن ناحية أخرى، نجد المصيبة التي تصيب الإنسان إما مصيبة له فيها غريم، أو مصيبة لا غريم فيها، فالمصيبة التي لك فيها غريم اعتدى عليك مثلا تحتاج إلى صبر أقوى وجلد وتحمل أكثر، لأنك كلما رأيت غريمك حرك فيك كوامن النفس ودواعي الانتقام، أما المصيبة التي ليس لك فيها غريم، وهي المصيبة القدرية التي أصابتك بقدر الله فهي أهون على النفس من الأولى لأنها من الله، فلا تملك معها إلا أن تقول لا حول ولا قوة إلا بالله وتصبر وتحتسب، وإلا فماذا تفعل مثلا أمام المرض أو الموت؟ لذلك يقول سبحانه في المصيبة التي لك فيها غريم:

ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور

[الشورى: 43] يعني: تحتاج إلى عزيمة وقوة تحمل تعينك على الصبر، أو تدعوك إلى المغفرة، أما المصيبة القدرية التي لا غريم لك فيها، فيقول الحق فيها:

واصبر على مآ أصابك إن ذلك من عزم الأمور

[لقمان: 17] ولم يقل هنا

إن ذلك لمن عزم الأمور

[الشورى: 43]، فآية لقمان في المصيبة التي لا غريم فيها، فأتت بدون اللام، وآية الشورى لما فيها غريم فأتت فيها اللام.

هنا الحق سبحانه يريد أن يسلي نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم ويخفف عنه ما يلاقي من قومه، فقولهم عن رسول الله أنه ساحر وكاذب ومجنون.. إلخ كل هذا يحزن رسول الله ويشق عليه ويؤلمه لذلك مرت بنا آيات كثيرة في تسليته صلى الله عليه وسلم، كما في قوله تعالى:

قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظلمين بآيات الله يجحدون

[الأنعام: 33]. وهنا يخاطبه ربه: ﴿ اصبر على ما يقولون ﴾ [ص: 17] ثم يعطيه مثلا من موكب الرسالات السابقة ﴿ واذكر عبدنا داوود ﴾ [ص: 17] لكن لماذا ذكر سيدنا داود بالذات في هذا المقام؟ قالوا: لأن قوم سيدنا داود قالوا في حقه ما هو أفظع مما قيل في حق رسول الله، فكفار مكة قالوا: ساحر، وكاهن، وكذاب. أما قوم داود فقد اتهموه في شرفه وعفته وطهارته، حين زعموا أنه بعث بأحد قادته إلى حرب خارج البلاد لأنه كان يحب زوجته، ويريد أن يخلو له الجو وينفرد بها، ومع ذلك صبر سيدنا داود. والحق سبحانه يخاطب نبيه محمدا ويقول له: اصبر كما صبر داود. مع أن محمدا هو خاتم الرسل جميعا، فلا رسالة بعده وفوضه الله في أن يشرع لأمته، وهذه خصوصية لم تسبق لأحد غيره من الرسل، وأرسل الله معه كتابا خالدا مهيمنا على كل الكتب السابقة ومع ذلك يقول له ربه: اصبر كما صبر داود، وكما صبر إخوانك من الرسل ليدل على أن أمة الرسالة أمة واحدة، كل منهم يبلغ عن الله رسالة مناسبة لقومه، فالرسل جميعا كشخص واحد. لذلك قال تعالى: ﴿ واذكر عبدنا داوود ﴾ [ص: 17] وبعد ذلك ذكر عدة رسل من موكب الرسالات ولم يقل عبادنا، كأنهم تجمعوا كلهم في مهمة واحدة فلا تفرق بينهم لذلك يقول سبحانه:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٩٩٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٩٩٢