تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقالوا: الحكمة أي النبوة وسداد الرأي في الأمور، وقد امتاز كل من سيدنا داود وسيدنا سليمان بالذات بأن جمع الله لهما الملك والنبوة لذلك رأينا المخالفين لهما فطسانين لا وجود لهم، ولا أثر لأن الملك يطمس عنف المخالف. ومعنى ﴿ وفصل الخطاب ﴾ [ص: 20] أي: علم الفصل في الخصومات، والفصل لا يكون إلا في متجادلين، يأتي هذا بحجة وهذا بحجة، وعلى الحكم بينهما أن يفصل بينهما، بأن ينصف الحق ويبطل الباطل. وإن كانت مسألة فصل الخطاب هذه اعترض عليها لأن سيدنا سليمان فيما بعد عدل حكما لأبيه، وهذه تحسب أيضا لسيدنا داود لأن الذي عدل حكمه هو ولده، والإنسان لا يحب لأحد أن يتفوق عليه إلا ولده لذلك سر بها سيدنا داود.

38.21-22

حين يستفهم منك بقوله ﴿ وهل أتاك ﴾ [ص: 21] فاعلم أنه دليل على أن هذا الشيء كان يجب أن تعلمه، تقول: هل أتاك كذا وكذا يعني: أتاك ومثله قوله تعالى:

هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا

[الإنسان: 1]. المعنى: أتى على الإنسان وقت من الدهر لم يكن شيئا مذكورا إنما أتى الأسلوب بصيغة الاستفهام لتأتي أنت بالمراد، فيكون إقرارا منك، والإقرار لا يكذب على خلاف الإخبار بالمراد فالإخبار يحتمل عقلا الصدق ويحتمل الكذب. أو: أن هذا الأسلوب للتشويق للنبأ. والنبأ ليس هو مطلق الخبر إنما هو الخبر العظيم الذي ينبغي أن يعلم لذلك يهتم به، فليس من قبيل النبأ أن تقول مثلا: أكلت اليوم كذا وكذا، لذلك حين يخبرنا الحق سبحانه عن أمر القيامة يقول:

عم يتسآءلون * عن النبإ العظيم * الذي هم فيه مختلفون

[النبأ: 1-3]. وكلمة ﴿ الخصم ﴾ [ص: 21] تطلق على المفرد والمثنى والجمع بنوعيه تقول: هذا خصم وهذه خصم، وهؤلاء خصم.. إلخ وقد تثنى مع المثنى كما في:

هذان خصمان اختصموا في ربهم

[الحج: 19] لذلك جاءت بعدها ﴿ إذ تسوروا المحراب ﴾ [ص: 21] بصيغة الجمع. ومعنى تسوروا: تسلقوا: لأنهم لم يدخلوا من الباب، إنما دخلوا من أعلى السور، وهذا دليل على أن هؤلاء الخصم لم يأتوا من جهة الأرض، إنما من جهة السماء، فكانوا جماعة من الملائكة في صورة بشر، والمحراب: هو المكان المقدس الذي يجعله الإنسان لخلوته ومناجاته لربه، ومن ذلك قوله تعالى في السيدة مريم:

كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا..

[آل عمران: 37] ونحن نسميه الآن القبلة. ثم يقول سبحانه: ﴿ إذ دخلوا على داوود ففزع منهم ﴾ [ص: 22] الإشكال هنا كيف يفزع سيدنا داود لرؤية هؤلاء وهو في حضرة الله وفي حضانته، وبين يديه يصلي ويتعبد ويسبح؟ وكيف أن الحق سبحانه يفزع عبده ونبيه، وهو بين يديه؟!! قالوا: الفزع على قسمين: فزع يحرك قلبك بالجزع ولكن قالبك سليم لم يتأثر. وفزع آخر ينضح من القلب على القالب فيتأثر حتى تظهر عليه علامات الفزع. وقد كان فزع سيدنا داود من النوع الثاني، لماذا؟ قالوا: لأن الملائكة حين رأوه على هذه الحال قالوا له ﴿ لا تخف ﴾ [ص: 22] ولا يقولون له ذلك إلا إذا انفعل قالبه انفعالا يدل على الخوف، فهذا دليل على أن الفزع تجاوز قلبه إلى قالبه. ونفهم أيضا من قولهم له ﴿ لا تخف ﴾ [ص: 22] أنهم ليسوا من رعيته، وليسوا من البشر لأن واحدا من الرعية لا يجرؤ أن يقول للملك: لا تخف. وقولهم: ﴿ خصمان بغى بعضنا على بعض ﴾ [ص: 22] يدل على اتفاقهم رغم خصومتهم، فقد تكلموا جميعا في نفس واحد، أو تكلموا بالترتيب، أو تكلم واحد منهم وأمن الباقون، والمؤمن أحد الداعين، فكونهم تكلموا بهذه الصورة المنظمة وأيديهم في أيدي بعض، فهذا يدلنا على أنه خلاف بينهم، ولا يطمع أحد منهم في الآخر، إذن: ما المسألة؟ وما حقيقة مجيء هؤلاء على هذه الصورة؟ لا بد أن لهم هدفا آخر.

ومعنى بغى حاول أن يطغى وأن يظلم ﴿ فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط ﴾ [ص: 22] هذا القول منهم دل على جراءتهم، ودل على أنهم من ملأ آخر غير البشر من الملائكة. ومعنى ﴿ ولا تشطط ﴾ [ص: 22] يعني: لا تبتعد عن الحق ولا تجر. ﴿ واهدنآ إلى سوآء الصراط ﴾ [ص: 22] اهدنا أي جميعا دون تمييز بين واحد وآخر، فهم خصم لكن سواء بدل قولهم ﴿ بغى بعضنا على بعض ﴾ [ص: 22] دون أن يميزوا الباغي من الذي بغي عليه، والصراط هو الطريق المستقيم، وسواء الصراط يعني وسطه، والمعنى: دلنا على الحق أو عين الحق، ثم أخذوا في عرض قضيتهم: ﴿ إن هذآ أخي له تسع وتسعون نعجة... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٩٩٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٩٩٦