تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

38.75

المتتبع لهذه القصة يجد أن القرآن استوعبها في سبع سور، لكن بأسلوب مختلف في كل منها، فمرة قال:

أبى..

[الحجر: 31] ومرة قال:

أبى واستكبر..

[البقرة: 34]. المسألة الأولى التي أردنا توضيحها في هذه القصة أن الحق سبحانه لم يجعل الجنة التي خرج منها آدم إلى الأرض هي جنة المأوى، لأنه لم يخلق للجنة ثم خرج منها بمعصيته، إنما خلق آدم للخلافة في الأرض، وفي أول بلاغ عنه من الله قال تعالى:

إني جاعل في الأرض خليفة..

[البقرة: 30]. إذن: هو مخلوق للأرض، ونظرا لأنه أبو البشر جميعا، والبشر على صنفين: صنف معصوم هم الرسل، وصنف غير معصوم هم عامة الناس، فكان ولا بد أن يتمثل في آدم ما ثبت للصنفين، عصى آدم أولا، ثم اجتباه ربه وتاب عليه وعصمه الله بعدها، إذن: لم يعص آدم وهو نبي، إنما عصى قبل النبوة. والحق - سبحانه وتعالى - لما عرض هذه المسألة وقال:

إني جاعل في الأرض خليفة..

[البقرة: 30] لم يشأ سبحانه بعدالته ورحمته أن ينزل آدم إلى الأرض ليعمرها بغير منهج من المناهج التي تصلح حركة الحياة، ولم يشأ أن يجرب فيه التكليف الأول، فصنع له قطعة من الأرض فيها كل مقومات الحياة وترفها، وأسكنه إياها ليدربه على التوجيه والتكليف بافعل ولا تفعل. فأباح له أن يأكل من كل ما في هذا البستان إلا شجرة واحدة نهاه عن مجرد الاقتراب منها، ليمثل له الإباحة فيما أحل والحظر فيما منع، ثم ذكره بعداوة الشيطان له وحذر منه ومن وسوسته. لكن أغوى الشيطان آدم، فأكل من الشجرة التي نهي عنها، وحدثت منه المخالفة التي ترتب عليها ظهور عورته لأول مرة، وهنا إشارة رمزية إلى أن العورات لا تظهر في المجتمع إلا بمخالفة منهج الله. ثم نقف أيضا عند

ولا تقربا هذه الشجرة..

[البقرة: 35] فلم يقل سبحانه: ولا تأكلا من هذه الشجرة، بل نهى عن مجرد قربها، لأن من حام حول الحمى يوشك أن يواقعه. لذلك تجد الحق سبحانه حين يحدثنا عن الحدود التي أحلها الله لنا يقول:

تلك حدود الله فلا تعتدوها

[البقرة: 229] أما في الحدود التي حرمها فيقول:

تلك حدود الله فلا تقربوها

[البقرة: 187]. ونلحظ في الآية التي معنا قوله تعالى: ﴿ يإبليس ما منعك أن تسجد.. ﴾ [ص: 75] وفي الأعراف قال:

ما منعك ألا تسجد..

[الأعراف: 12] فمرة بالإثبات ومرة بالنفي. والمعنى واحد، لأن المتكلم بهذا الكلام هو الله رب العالمين، معنى ﴿ ما منعك أن تسجد.. ﴾ [ص: 75] يعني: أردت أن تسجد، فعرض لك عارض، أما

ما منعك ألا تسجد..

[الأعراف: 12] يعني: أمنعك مانع فلم تسجد قهرا عنك؟ وقوله: { لما خلقت بيدي.

. } [ص: 75] بيان لشرف هذا المخلوق، ويكفي في شرفه أن الله تعالى نسب خلقه إليه سبحانه مباشرة ﴿ أستكبرت أم كنت من العالين ﴾ [ص: 75] يعني: السبب الذي دعاك إلى عدم السجود إما استكبارك أن تسجد لآدم، أم كنت من العالين؟ وقد اختلف العلماء في معنى العالين، بعضهم قال: من الطاغين المتكبرين الذي أعرضوا عن أحكام الله ومنهجه استكبارا، ومن ذلك قوله تعالى في فرعون:

وإن فرعون لعال في الأرض وإنه لمن المسرفين

[يونس: 83] وقال سبحانه:

تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين

[القصص: 83] أي: علوا على أحكام الله، وعلى أوامر الله. وقال آخرون: معنى العالين هم نوع من الملائكة، والذين لم يشملهم الأمر بالسجود لآدم، فالمأمور بالسجود هم الملائكة الذين لهم علاقة بهذا المخلوق وهم المدبرات الذين قال الله عنهم

فالمدبرات أمرا

[النازعات: 5] والمعقبات الذين قال الله فيهم

له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر..

[الرعد: 11] هؤلاء هم الذين أمروا بالسجود. أما العالون فهم ملائكة لا عمل لهم إلا تسبيح الله، ولا صلة لهم بهذا الكون، ولا يدرون عنه شيئا. فالمعنى ﴿ أم كنت من العالين ﴾ [ص: 75] أي الذين لم يشملهم الأمر بالسجود، وهذا المعنى أقرب للصواب، لأن الله تعالى قال قبلها: ﴿ أستكبرت.. ﴾ [ص: 75] فلا نفسر العالين بعدها بمعنى المتكبرين، لأنها تؤدي نفس المعنى الأول. وهنا ينبغي أن نشير إلى اختلاف العلماء حول طبيعة إبليس، حيث قال بعضهم: إنه من الملائكة. وقال آخرون: من الجن. أصحاب الرأي الأول يعتمدون على قوله تعالى:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٥٠٣٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٥٠٣٢