38.4-5
العجب هو الاستغراب، إنهم يتعجبون وأمرهم أعجب، يتعجبون ﴿ أن جآءهم منذر منهم وقال الكافرون هذا ساحر كذاب ﴾ [ص: 4] والعجيب حقا أن يأتيهم رسول من جنس آخر غير جنسهم، لذلك قال تعالى في موضع آخر:
وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جآءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا
[الإسراء: 94]. كانوا يريدون الرسول ملكا، ولو جاءهم ملك لجاءهم في صورة رجل منهم، ولو شخص لهم في صورة رجل لظلت الشبهة قائمة، والحق سبحانه يرد عليهم:
قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السمآء ملكا رسولا
[الإسراء: 95]. وقال سبحانه:
ولو جعلنه ملكا لجعلنه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون
[الأنعام: 9]. إذن: لا بد أن يكون المرسل من جنس المرسل إليهم، لأن الرسول حامل منهج يحققه، الرسول أسوة وقدوة لقومه، وكيف تتحقق الأسوة بالملك؟ والله لو جاء الرسول ملكا لاعترضوا عليه، ولقالوا إنه ملك معصوم يقدر على ما لا نقدر نحن عليه، ثم إن الملك ليس له شهوة كشهوتنا.. الخ. إذن: العجب هو استغراب أن يكون الرسول واحدا منهم ومن جنسهم، إن كون الرسول من بينكم هو الحجة وبه تتم الأسوة لذلك حينما يمتن الله على أمة محمد صلى الله عليه وسلم يقول:
لقد جآءكم رسول من أنفسكم..
[التوبة: 128] يعني: من جنسكم وليس غريبا عنكم، فهذه ميزة لكم، إذن: عجبكم ليس له مكان. والجنس هنا ليس جنس الإنسان فحسب، إنما من نوعهم من العرب، بل من أوسطهم وهم قريش وأنتم تعرفونه قبل بعثته، وتعرفون أصله ونسبه لذلك يرد الله عليهم فيقول:
وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات..
[يونس: 15] يعني: واضحات لا تنكر
قال الذين لا يرجون لقآءنا ائت بقرآن غير هذآ أو بدله قل ما يكون لي أن أبدله من تلقآء نفسي إن أتبع إلا ما يوحى إلي إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم * قل لو شآء الله ما تلوته عليكم ولا أدراكم به فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون
[يونس: 15-16]. نعم لقد عاش سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بين قومه أربعين سنة قبل بعثته، وكانوا يعرفون عنه كل شيء، إذن: العجب في النقيض، وليس في الواقع الذي يتعجبون منه. ثم يحكي الحق عنهم: ﴿ وقال الكافرون هذا ساحر كذاب ﴾ [ص: 4] الساحر هو الذي يخيل لنا الأشياء فنراها على غير حقيقتها، لكنه لا يغير الحقيقة، فالسحر ليس في الشيء إنما في أعين الناس، كما قال تعالى:
سحروا أعين الناس..
[الأعراف: 116]. لذلك هناك فرق بين السحر وبين معجزة سيدنا موسى عليه السلام، وقد كانت من جنس يقارب السحر لأنه سيعانده سحرة، ولما ألقى موسى عصاه فرآها السحرة تلقف ما سحروا قالوا: آمنا برب موسى، وما ذلك منهم إلا لأنهم أيقنوا أن ما جاء به موسى ليس من قبيل السحر، فهم يعرفون السحر جيدا، ويعرفون ألاعيب السحرة، وليس هذا الذي يرونه منها.
إنهم يرون حية تلقف ما يأفكون، والساحر يرى الأشياء على حقيقتها، فيرى الحبال حبالا، في حين يراها الناس ثعابين تسعى وتتحرك، إذن: ما فعله موسى أمامهم ليس من السحر. ونرد على هؤلاء الذين يتهمون رسول الله بالسحر. ونقول: لو سلمنا معكم أن محمدا ساحر وسحر من آمن به، فكيف بكم لا تزالون على كفركم؟ لماذا لم يسحركم محمد كما سحر المؤمنين به، وتنتهي المسألة بينكم وبينه؟ ثم يقولون: ﴿ أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب ﴾ [ص: 5] إنهم يتعجبون وينكرون أن يدعوهم رسول الله إلى التوحيد، وإلى عبادة الله وحده لا شريك له، وقد كانوا يعبدون آلهة عدة، فحول البيت أصنام كثيرة، ومنهم من كان يعبد الشمس أو القمر أو الكواكب والنجوم، ومنهم من عبد الملائكة.. إلخ. لكن من أين أتتهم هذه الشبهة؟ جاءت هذه الشبهة من استعظامهم الوجود، فهذا الكون البديع المحكم فيه أرض بها أنهار وجبال وزروع وثمار، وفيه سماء فيها شمس وقمر ونجوم وكواكب وأفلاك.. إلخ. فهذا الكون في نظرهم لا يقدر على خلقه واحد بمفرده، لا بد أن كثيرين اشتركوا في خلقه. إذن: فعظمة الوجود هي التي جعلتهم يقولون بآلهة متعددة، وهنا لا بد أن نقول سبحان الله، فالعكس هو الصحيح في هذه المسألة، فعظمة الخلق دليل على أن الخالق واحد، ولو كان الخالق متعددا لما جاء الخلق على هذا النظام والتناسق، ولو كان الخالق متعددا لكان الحال كما وصفه الحق سبحانه: