وكفلها زكريا..
[آل عمران: 37] والكفل: هو النصير. والذين قالوا برسالته استدلوا على ذلك بأمرين: الأول أن الله ذكره في عداد الرسل، الآخر: أن اليسع - عليه السلام - استخلفه. والحق سبحانه وتعالى سكت على هذا الاستخلاف ولم يغيره، وهذا إقرار للاستخلاف وموافقة عليه، كما وافق الحق سبحانه لموسى - عليه السلام - لما طلب من ربه أن يؤيده بأخيه هارون، فقال:
وأخي هارون هو أفصح مني لسانا فأرسله معي ردءا يصدقني..
[القصص: 34]. قال آخرون: بل هو رجل متطوع بالدعوة، فسد الناس في زمانه، ورأى أن هذا الفساد لا يصلحه إلا رجل له عدالة في الحكم، ونزاهة في القضاء بين الناس، ورأى في نفسه هذه المواهب، فعرض على قومه أن يقوم بأمرهم، وأن يسير فيهم بالعدل فوافقوا عليه. إذن: ذو الكفل في رأي هؤلاء أنه ليس رسولا، بل رجل متطوع بمنهج كمنهج الرسل.
38.49-51
قوله تعالى: ﴿ هذا ﴾ أي: ما تقدم من موكب الرسل ﴿ ذكر ﴾ تذكير كما في قوله تعالى:
أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى..
[البقرة: 282]. يعني: هذا الذي ذكرناه من موكب الرسل ومن موقف الأمم معهم، وكيف أنهم تحملوا تفاهة القوم وقلة أدبهم مع أنبياءهم، وتحملوا الاجتراء باللسان وبالجوارح، نذكر هذا لمحمد الذي يلقى من قومه ما يلقى من الأذى لنذكره أنه ليس بدعا في الرسل، وأن ما جرى لإخوانه المرسلين لا بد أن يجري له، وإذا كنا نقيس الابتلاء بمقدار الرسالة فنصيب محمد صلى الله عليه وسلم في هذا الإيذاء أكبر من نصيب الرسل أجمعين. فقوله تعالى: ﴿ هذا ذكر.. ﴾ [ص: 49] تسلية لسيدنا رسول الله حتى يعلم أنه ليس بدعا في ذلك، وأن عظمته في أن يتلقى سفاهة القوم لأن القوم حين يسفهون على الرسول يدل ذلك على أنهم منتفعون بالفساد الشائع في قومهم، وما جاء الرسول إلا ليقضي على هذا الفساد، إذن: لا بد أن يكون الرسول خصما لهؤلاء، وكلما تصدى لفسادهم اشتدت عداوتهم له، وإيذاؤهم وسخريتهم منه، واتهامهم له بالكذب والسحر والجنون.. إلخ. فهذه إذن سنة لله تعالى في كل من يتصدى للدعوة ويجابه الفساد في المجتمع، لا بد أن يجد من يجترئ عليه ويتهمه بالباطل، ويحاول النيل منه والتشكيك في قصده، هذا رد فعل طبيعي إذا وجده الداعية ينبغي أن يسر به، فهو إشارة وعلامة تدل على نجاحه في مسعاه، وأنه نال منهم وغاظهم. وقوله سبحانه: ﴿ وإن للمتقين لحسن مآب ﴾ [ص: 49] أي: مرجع حسن إلى الله يوم القيامة، فهي تتحدث عن الآخرة وما ينتظره صلى الله عليه وسلم من الجزاء الحسن، ففي الآية عطاءان لرسول الله: الأولى: تسليته صلى الله عليه وسلم في قوله: ﴿ هذا ذكر.. ﴾ [ص: 49] ثم ﴿ وإن للمتقين لحسن مآب ﴾ [ص: 49] كأنه تعالى يقول: هذا الذي ذكرناه ذكر لمحمد كي نسليه، لكن الأهم من ذلك ما ينتظره من الجزاء الحسن في الآخرة، الواو هنا عطفت ﴿ وإن للمتقين لحسن مآب ﴾ [ص: 49] على ﴿ هذا ذكر.. ﴾ [ص: 49]. والمتقون مادتها: وقى يعني حال بين شيء يصيبه، وبين نفسه، واتقى الشيء جعل بينه وبين الشيء وقاية تحميه. وإذا نظرنا إلى هذه المادة في القرآن نجد الحق سبحانه يأمر بالتقوى تكليفا يكلف الإنسان أن يقي نفسه مما يعود عليه بالشر، وقد أتت هذه المادة بلفظ: اتقوا الله، واتقوا ربكم، واتقوني، واتقوا النار، واتقوا الفتنة. وكلها تلتقي في معنى واحد، لأن لله تعالى كما قلنا صفات جلال وصفات جمال، فمعنى اتقوا الله: اجعلوا بينكم وبين صفات الجلال لله وقاية، مثل: المنتقم الجبار القهار.
. إلخ. وهذه الصفات هي التي ترهب المخالف وتردعه، فاتقوا صفات الجلال من الله، لأنه سبحانه قادر أن يبطش بكم وليس لكم جلد على انتقام الله أو التعرض لأثر هذه الصفات. وبنفس المعنى: اتقوا النار لأنها جند من جند الله، وأثر من آثار صفات الجلال. وفي موضع واحد من القرآن وردت التقوى بلفظ واتقوا دون ذكر للمتقى، وكأن هذا اللفظ جاء ليدل على شمول التقوى أو مطلق التقوى، فهي تعني: اتقوا الله، واتقوا النار، واتقوا الفتنة.. إلخ. ومعنى ﴿ لحسن مآب ﴾ [ص: 49] يعني: حسن مرجع، لكن أي مرجع؟ للعلماء في المرجع كلام فلسفي يقولون: أي مرجع الروح ومردها إلى الأجساد يوم القيامة، وهذا كلام لا وزن له لأننا نفهم المرجع والمرد إذا لاحظنا الخلق الأول، والخالق سبحانه قبل أن يخلق الخلق أخذ عليهم العهد، وهم ما يزالون في مرحلة الذر. كما قاله سبحانه: