تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

38.26

كلمة ﴿ خليفة ﴾ [ص: 26] هنا إما خليفة لله في الأرض خلافة عامة لأن الإنسان كله خليفة لكنه عليه السلام عمدة على الخليفة، أو خليفة الأنبياء في حمل رسالاتهم إلى الناس، وما دام هو مستخلفا فهو موظف إن أحسن الوظيفة دامت له، وإن لم يحسن نزعت منه. فآفة الإنسان أنه إذا ما استجابت له الأشياء وطاوعته الأسباب يظن أنه صار أصيلا في الكون، ونسي أنه مستخلف غير أصيل، إنما لو ظل على ذكر لخلافته في الأرض، وأنه من الممكن أن يعزل عن الخلافة في أي وقت لظل مؤدبا مع ربه الذي استخلفه:

كلا إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى

[العلق: 6-7]. وقوله تعالى ﴿ فاحكم بين الناس بالحق ﴾ [ص: 26] يعني: ما دمت خليفة لله في الأرض تعمرها بالأحكام وتقيم فيها الحق ﴿ فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى ﴾ [ص: 26] وهذه نصيحة غالية لكل من يحكم بين الناس، فالحق أمامك نبراس يهديك، فضعه في موضعه أيا كان، ولا تتبع هواك لأن الرأي يفسده الهوى. لذلك وقف بعض المفكرين أمام قول الله تعالى عن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:

وما ينطق عن الهوى * إن هو إلا وحي يوحى

[النجم: 3-4]. قالوا: ما دام هو وحي يوحى، فلماذا يعدل الله له كما في قوله سبحانه:

عفا الله عنك لم أذنت لهم..

[التوبة: 43]. وقوله تعالى:

يأيها النبي لم تحرم مآ أحل الله لك

[التحريم: 1]. وقوله تعالى:

عبس وتولى * أن جآءه الأعمى

[عبس: 1-2]. قالوا: إن الحق سبحانه لا يعدل لرسوله، إنما يخبر أنه لا هوى له يجعله يميل عند الحكم، فهو صلى الله عليه وسلم يدخل على المسألة بدون هوى، سواء أكان الأمر من عند الله أو من المفوض له أن يشرع فيه. والحق سبحانه حينما أراد أن يحدد مهمة رسوله صلى الله عليه وسلم حدد مهمة كتابه بأنه كتاب معجز، ويحمل أصول المنهج لا فروعه، وأنه مهيمن على غيره من الكتب السابقة، لأن الكتب السابقة عليه أثبت الله أنها بدلت وحرفت، فلم يأمن عليها المؤمنين بها كما قال سبحانه:

بما استحفظوا من كتاب الله..

[المائدة: 44]. ومعنى استحفظوا: طلب منهم حفظه وحفظ منهجه، فحفظ الكتاب المنزل كان تكليفا والتكليف عرضة أن يطاع وأن يعصى، وهؤلاء عصوا وبدلوا وحرفوا، كما قال الله

ونسوا حظا مما ذكروا به

[المائدة: 13] والذين لم ينسوا حرفوا

يحرفون الكلم عن مواضعه

[المائدة: 13] ومنهم من جاء بكلام من عند نفسه، وأدخله في كلام الله

وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون

[آل عمران: 78]. إذن: مثل هؤلاء لا يؤتمنون على حفظ كتاب الله، وقد ثبت ذلك بهذه التجربة، لذلك لم يجعل الحق سبحانه حفظ القرآن إلى المؤمنين به، إنما تكفل سبحانه بحفظ القرآن، فقال سبحانه:

إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون

[الحجر: 9]. ولأن الحق سبحانه جعل لنبيه محمد هذه المنزلة أراد أن يبينها، فقال:

" مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتا فحسنه وأجمله، إلا موضع لبنة من زاوية، فجعل الناس يطوفون به ويعجبون له ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟ قال: فأنا اللبنة، وأنا خاتم النبيين ".

والحق سبحانه يبين منزلة رسوله في إكمال الأديان، فيقول

اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي..

[المائدة: 3] ليس هذا فحسب، إنما يعطيه مهمة أخرى، هي صيانة هذه الأديان به وبالعلماء الذين يخلفون من بعده، لذلك قال سبحانه:

لتكونوا شهدآء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا..

[البقرة: 143]. فالرسول يشهد أنه بلغنا، وعلينا نحن أن نمد رسالة رسول الله، فنشهد أننا بلغنا الناس من بعده. لذلك يحذرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من طائفة تأتي ممن لا يؤمنون بسنته يقولون: علينا بكتاب الله فما وجدنا فيه من حلال حللناه، وما وجدنا فيه من حرام حرمناه. وحين تتتبع لفظ الطاعة في القرآن تجد أنه أتى على صور متعددة. فمرة يقول:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٩٩٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٩٩٩