تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينآ إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه..

[الشورى: 13]. وقال صلى الله عليه وسلم:

" لا تفضلوني على يونس بن متى ".

لأنكم لا تعلمون مقاييس المفاضلة، فدعوا المفاضلة لله تعالى فهو الذي يفضل، كما قال سبحانه:

تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم..

[البقرة: 253]. وتأمل هذا الشرف الكبير الذي ناله سيدنا داود حين تحدث الحق عنه، فقال ﴿ واذكر عبدنا داوود ﴾ [ص: 17] كذلك نال سيدنا محمد في استهلاك سورة الإسراء:

سبحان الذى أسرى بعبده

[الإسراء: 1] فليس للإسراء حيثية، إلا أنه صلى الله عليه وسلم عبد أخلص العبودية لله فاستحق هذا الشرف العظيم لذلك لما جفت به الطائف واضطهدوه وشتموه جاء العزاء من الله، فإن كانت الأرض لم تحتف بك، فسوف تحتفي بك السماء. وقوله تعالى: ﴿ ذا الأيد ﴾ [ص: 17] يعني: صاحب القوة في العبادة، والإيمان يحتاج فعلا إلى قوة تعينك على الطاعة، وتزجرك عن المعصية، وتكبح جماح النفس حين تميل بك إلى المخالفة، أما الطاعة فتحتاج إلى قوة لأن الطاعة غالبا ما تكون ثقيلة على النفس، فتحتاج إلى قوة دافعة حافزة لذلك يقول تعالى عنها:

وإنها لكبيرة إلا على الخشعين

[البقرة: 45]. أما المعصية فلها لذة وجاذبية وشهوات تلح على النفس، فتحتاج كذلك إلى عزيمة وقوة رادعة كابحة لذلك كثيرا ما يتكرر ذكر القوة في كتاب الله، فقال عن داود ﴿ ذا الأيد ﴾ [ص: 17]، وقال ليحيى عليه السلام:

ييحيى خذ الكتاب بقوة

[مريم: 12]. فالمؤمن لا بد أن يكون قويا، قوي الإرادة والعزم، لا بد له من قوة الدفع إلى الطاعات لأنه يكسل عنها، وقوة الردع عن المعاصي لأنه يميل إليها، والإنسان لا يكسل عن الطاعة ولا يرغب في المعصية إلا حين يعزل العمل عن الجزاء والعاقبة، ولو استحضر الجزاء وتذكر العاقبة لهانت عليه الطاعة وخفت على نفسه وسهلت، ولزهد في المعصية، وفر منها فراره من الأسد. وقد أوضحنا هذه المسألة بمثال قلنا: هب أن شابا طغت عليه الغريزة الجنسية، وهي أعنف الغرائز في الإنسان، فقلنا له: تقضي ليلة مع فتاة جميلة لكن في الصباح سندخلك هذا الفرن المتأجج لمدة ساعة، فماذا يقول؟ إذن: استحضار العقاب على المعصية عند المعصية يمنعك منها، كذلك استحضار الثواب على الطاعة يدفعك إليها. وهناك في جبال الهملايا وعند قمة إفرست وجدوا ضحايا كثيرين ممن يحاولون اعتلاء هذه القمة، فبعضهم مات بعد ثلث المسافة، وبعضهم بعد الثلثين وهكذا، فما الذي حملهم على تحمل هذه المصاعب والمخاطر؟ إنها شهوة الاستعلاء على هذه القمة التي تعد أعلى قمة في العالم، إنه حب الشهرة وتخليد الذكر في دوائر المعارف، إذن: استهانوا بالأخطار ليصلوا إلى هذه الغاية التي يتطلعون إليها. فالذي يجعل الإنسان يزهد في الطاعات ويتكاسل عنها أنه لم يستحضر الثواب عليها ولو استحضر ثوابها لسهلت عليه، كما قال الشاعر:

تهون علينا في المعالي نفوسنا

ومن يخطب الحسناء لم يغلها المهر

والنبي صلى الله عليه وسلم يشرح لنا هذه المسألة بقوله:

" لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ".

يعني: ينتفي عنه وصف الإيمان في لحظة وقوعه في هذه المعصية لأنه غفل عن العاقبة، وغفل عن الله، ولو استحضر الله في ذهنه ما أقدم. ثم يقول تعالى في وصف سيدنا داود: ﴿ إنه أواب ﴾ [ص: 17] من الفعل آب آيب وأواب صيغة مبالغة على وزن فعال. يعني: كثير التوبة والأوب إلى الله، وهذه الكلمة فيها إشارة إلى أن الإنسان عرضة للمعصية، وأنه مهما تاب فهو معرض للعودة مرة أخرى لأنه ليس معصوما، المهم أن تحدث لكل ذنب توبة، وألا تكون مصرا على أن تعود.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٩٩٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٩٩٣