38.9-11
بعد أن نفى الحق سبحانه قدرتهم على أن يقسموا رحمته تعالى ينفي هنا أن تكون مفاتيح خزائن رحمته بأيديهم، فأم هنا للتسوية، والمعنى: أهم يقسمون رحمة ربك، أم عندهم خزائن رحمته؟ لا هذا ولا ذاك، لأن النبوة رحمة، وخزائن الرحمة مملوكة للرحيم والله رحمن، فليس لهم شيء من ذلك لأن الله تعالى لم يملك مفاتيح خزائنه لأحد حتى أولياء الله المقربين الذين يعطيهم ومضات إشراقية غيبية ليثبت بها اليقين بالمسلك الذي سلكوه. حتى هؤلاء لم يملكهم مفاتيح خزائنه، إنما يفتح لهم ما يشاء من فضله، ويعطيهم ما يريدون من الكرامات، وتظل مفاتيح خزائنه تعالى في يده
وعنده مفاتح الغيب
[الأنعام: 59] لا يسلمها لأحد. لذلك ذيلت الآية بهذين الاسمين من أسمائه تعالى ﴿ العزيز الوهاب ﴾ [ص: 9]. فالعزيز هو الذي يغلب ولا يغلب، فالله غالب لا يغلب على أمره، ومن كانت هذه صفته كيف يأخذون منه خزائن رحمته، وهو سبحانه: ﴿ الوهاب ﴾ [ص: 9] الذي يهب من يشاء تفضلا وتكرما منه سبحانه. ثم يقول سبحانه: ﴿ أم لهم ملك السموت والأرض وما بينهما ﴾ [ص: 10] يعني: إن كان لهم ملك السماوات والأرض وما بينهما ﴿ فليرتقوا فى الأسباب ﴾ [ص: 10] فليصعدوا هم إلى السماء، وليعرجوا إليها ليتولوا هم تدبير أمر الخلق، والحق سبحانه يوضح هذه المسألة في آية أخرى:
يمعشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السموت والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان
[الرحمن: 33] أي: بسلطان منا. لذلك لما وصل الإنسان واعتلى سطح القمر قال المتفلسفون: وصلوا بسلطان العلم، كيف والله يقول بعدها:
يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران
[الرحمن: 35] إذن: ليس السلطان المراد سلطان العلم كما يدعون، إنما سلطان من الله خالقها، فهو سبحانه الذي ينفذ من يشاء، ويمنع من النفوذ من يشاء، ولو لم تأت هذه الآية لكان الذين ينكرون معراج رسول الله على صواب. وقوله سبحانه: ﴿ جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب ﴾ [ص: 11] المراد كفار مكة، وأنهم مهزومون لا محالة، كما هزم من قبلهم من المكذبين للرسل. ثم يسلي الحق - سبحانه وتعالى - نبيه بذكر ما كان من تكذيب السابقين لرسلهم، يعني: يا محمد لست بدعا في هذا الأمر، ويبدأ بأطول الرسالات عمرا، وهي رسالة سيدنا نوح - عليه السلام - فيقول سبحانه: ﴿ كذبت قبلهم قوم نوح... ﴾.