لولا انتصاف الكأس خلنا أنها
في كف ساقيها تقوم بذاتها
يعني: لو ملئت الكأس لخلت أنها كأس بلا شراب، أو شراب بلا كأس. لكن ماذا يطلب أهل الجنة بعد الاتكاء وبعد الأكل والشرب مما تشتهيه أنفسهم، قالوا: الإنسان بعد أن تتوافر له هذه النعم يتطلع إلى حسناء يداعبها تكون له وحده لا يشاركه فيها غيره، لذلك قال تعالى بعدها: ﴿ وعندهم قاصرات الطرف... ﴾.
38.52-54
معنى ﴿ قاصرات الطرف ﴾ [ص: 52] أي: تقصر الواحدة منهن عينيها فلا تمتد إلى غير مالكها فلا يطمع أحد أن ينظر إليها، والطرف أو العين لها أثر ولها كلام ولغة، ومن ذلك قوله تعالى في قصة يوسف عليه السلام:
فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن وقلن حاش لله ما هذا بشرا إن هذآ إلا ملك كريم
[يوسف: 31] إلى أن قال سبحانه حكاية عن يوسف:
قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين
[يوسف: 33]. فالقصة كانت مع امرأة واحدة هي امرأة العزيز، فكيف يقول هنا
مما يدعونني إليه..
[يوسف: 33] و
كيدهن..
[يوسف: 33] و
أصب إليهن..
[يوسف: 33] هكذا بصيغة الجمع. إذن: لا بد أنهن ساعة رأينه نظرت إليه كل منهن نظرة استدل منها على أنها تهواه، فالنظرة إذن لغة تحمل كلاما، وتعبر عما في نفس صاحبها، لذلك تكلم يوسف عنهن جميعا، لا عن امرأة العزيز وحدها. لذلك لما أراد العزيز أن يستدعيه قال:
ما بال النسوة اللاتي قطعن أيديهن..
[يوسف: 50] والكلام كان في البداية عن امرأة العزيز. ومن النظرات التي كانت لها دلالات في أدبنا العربي حكي عن أبي دلامة لما دخل على الخليفة وحوله الأعيان، وأراد الخليفة أن يداعب أبا دلامة فقال له: يا أبا دلامة، لتهجون واحدا منا أو لأقتلنك، فوقف أبو دلامة يفكر فيما يقوله، وجعل الحاضرون ينظرون إليه، كل يقول له بالنظرة لا تهجني، ولك ما تشاء من العطاء، فواحد يرغبه وواحد يرهبه. وأخيرا، رأى أبو دلامة أن يرضي الخليفة ويهجو نفسه طمعا فيما ينتظره من عطاء هؤلاء الأعيان، وفوجئ الجميع بأبي دلامة يقول:
ألا أبلغ لديك أبا دلامة
فليس من الكرام ولا كرامه
إذا لبس العمامة كان قردا
وخنزيرا إذا نزع العمامه
واغتنى أبو دلامة من جراء هذه الدعابة. فمعنى ﴿ قاصرات الطرف أتراب ﴾ [ص: 52] أيك تغص طرفها عن غير مالكها، وهذه للخصوصية المطلوبة في المرأة بالذات لأنك تجد الرجل مهما كان سمحا كريما يجود بكل ما يملك على من يحب إلا المرأة، فإنه لا يطيق مجرد أن ينظر أحد غيره إليها، فهذه صفة للمؤمن في الدنيا، وهي أيضا صفته في الآخرة. لذلك نقول: إن من عجائب ما يفعله الإيمان بأهله ومن مزاياه، أنه لا يخلع العقائد من القلوب ولا الاختيار من العقول فحسب، بل يخلع الاتجاه من العاطفة أيضا، وقد رأينا ذلك في قصة المهاجرين والأنصار، فالإيمان خلع من القلوب الكفر، وخلع من العقول حب العناد في الاختيار، ثم خلع أقوى العواطف وهي عاطفة الرجل نحو امرأته. ألم يقل الأنصاري لأخيه المهاجر الذي جاء بغير أهله: انظر إلى زوجاتي، فأيهن أعجبتك أطلقها لتتزوجها أنت.
إلى هذه الدرجة فعل الإيمان بالمؤمنين الأوائل. ومعنى ﴿ أتراب ﴾ [ص: 52] أي: متساويات في الحسن أو في السن بحيث لا تميز منهن واحدة عن الأخرى، فكلهن جميلات في سن واحدة، وحسن واحد، وقوام واحد لماذا؟ قالوا: حتى تظل الأعين مقصورة على ما تملك لا يطمع أحد في الأخريات ولا ينظر وتزوغ عينه على ما ليس له، فلو كانت النساء جميعهن على درجة واحدة، فلم النظر إذن؟ أو ﴿ أتراب ﴾ [ص: 52] يعني: مثله ومناسبة له تتقلب له في الصورة التي يحبها. وقوله سبحانه: ﴿ هذا.. ﴾ [ص: 53] أي: ما ذكرناه من الجنة ونعيمها، هذا المذكور كله ﴿ ما توعدون ليوم الحساب ﴾ [ص: 53] لكن نوعد ممن؟ نوعد ممن يملك إنفاذ ما وعد به، نعم لأنه سبحانه القادر العزيز الغالب، ليس هناك قوة تعانده، ولا قوة تعارضه فيما يريد. فأنت تعد الوعد وفي نيتك الوفاء به، هذا عند التحمل، لكن أنت لا تملك عنصرا واحدا من عناصر الوفاء بما وعدت، فيأتي وقت الوفاء فلا توف لأنه عرض لك عارض حال بينك وبين الوفاء بما وعدت، أما الحق سبحانه فوعده حق، لأن له طلاقة القدرة. وقوله: ﴿ ليوم الحساب ﴾ [ص: 53] أي: حساب المتقين لأن الحساب مطلقا يشمل المؤمن والكافر والطائع والعاصي، فالحساب هنا أي حساب أهل الإيمان، كما قاله سبحانه: