تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون..

[آل عمران: 92].

فذلكن الذي لمتنني فيه

[يوسف: 32].

نبىء عبادي أني أنا الغفور الرحيم

[الحجر: 49]. هذه وغيرها آيات صادفت وزنا شعريا، لكنها لا تسمى شعرا لأن الشعر قول موزون مقفى قصدا.

الحق سبحانه حكى عن رسوله أن الكفار اتهموه فقالوا: ساحر وشاعر وقالوا: كاهن، لكن القرآن رد عليهم في مسألة الشعر، ونفى أن يقول الرسول شعرا: ﴿ وما علمناه الشعر ﴾ [يس: 69] ولم ينف عنه السحر ولا الكهانة، لماذا؟ قالوا: لأن مهمة رسول الله بلاغ القرآن عن الله، والقرآن من جنس الأساليب الراقية، وأقرب شيء إليه الشعر لذلك نفاه القرآن، أما السحر فطلاسم وكلام لا معنى له، فلم يقل: وما علمناه السحر. ولو أن لهذه الكلمة مدلولا لكان الرد عليها سهلا، فإذا كان محمدا ساحرا سحر المؤمنين به، فلماذا لم يسحركم أنتم أيضا، إذن: تكذيبكم له وكفركم به أدل شيء على أنه ليس ساحرا، وهل للمسحور إرادة مع الساحر. وفي قولهم كاهن رد عليهم:

ولا بقول كاهن

[الحاقة: 42] لأن قول الكاهن كلام مسجوع سجعا باردا، والقرآن خلاف هذا كله، ثم إنكم أهل فصاحة وبيان، وأنتم أعلم الناس بالأساليب والتمييز بينها، فهل يخفى عليكم أن تفرقوا بين القرآن وغيره من الكلام وأنتم أمة كلام، وتجعلون للكلمة أسواقا ومعارض؟ ثم يبين الحق سبحانه العلة في عدم قول الرسول للشعر، فيقول سبحانه: ﴿ إن هو إلا ذكر وقرآن مبين ﴾ [يس: 69] إن هنا بمعنى ما النافية. يعني: ما هذا القرآن إلا تذكير لمن يعقل وقرآن مبين. أي: بين واضح يتلى، وقد يكون له نغم ألذ في أذن الورع من الشعر، لذلك بعض الناس يسمع القرآن فتأخذه نشوة وإعجاب، ولو سألته تجده لا يعرف ما يحدث له، لماذا؟ قالوا: لأن الذي يتكلم الله، والذي يسمع خلق الله، فالله تعالى يتكلم بالكلام الذي يؤثر ويستميل المخلوق لله الذي ما يزال على فطرته التي فطر الناس عليها، فإن خرج عن هذه الفطرة لم يؤثر فيه القرآن هذا التأثير، ذلك لأن القرآن واحد أما الفطرة المستقبلة فتختلف. والحق سبحانه يشرح لنا هذه المسألة في قوله تعالى:

ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا

[محمد: 16] فأمره الله أن يرد عليهم:

قل هو

[فصلت: 44] أي: القرآن

للذين آمنوا هدى وشفآء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى

[فصلت: 44]. ذلك لأن فاعل الشيء غير قابله، وسبق أن مثلنا لذلك بكوب الشاي الساخن تنفخ فيه ليبرد، وفي الشتاء تنفخ في يديك لتدفئها، فالنفخة واحدة، لكن المستقبل لها مختلف، كذلك حال الناس في تلقى القرآن، فمن تلقى كلام الله بفطرة سليمة فهمه وتأثر به، ومن تلقى كلام الله وهو منشغل عنه أغلق عليه، فلم يفهم عن الله ولم يتأثر بكلامه. لذلك نرى بعض الناس من غير العرب لا ينطق بكلمة عربية، لكنه ساعة يسمع أو يقرأ كلام الله تجد له انفعال مواجيد، وتدمع عيناه، لماذا؟ لا بد أن شيئا في تكوينه تأثر بهذا الأسلوب.

وإذا كان الحق سبحانه أوحى إلى الجماد فانفعل لكلامه، وأوحى إلى الحيوان ففهم عنه، فمن باب أولى يكلم الإنسان العاقل بكلام يصادف طبيعته ويؤثر فيه، فيتأثر وينفعل. ثم يقول سبحانه مبينا مهمة هذا الذكر وهذا القرآن المبين: ﴿ لينذر من كان حيا ﴾ [يس: 70] نعم، سماهم أحياء وخطابك لهم دليل على أنهم أحياء، لكن أحياء الحياة المادية التي تنتهي بالموت، إنما هناك حياة أخرى بالعقل والفكر وبالقيم الروحية، وهذه لا يظهر أثرها إلا بعد الموت. والناس جميعا يشتركون في الحياة المادية لذلك يسمى العنصر الذي يدخل على الحياة المادية لتأخذ طابع الحياة الروحية الروح، فالروح روح من أمره سبحانه، وبعد أن يعطيه الروح التي تحيا بها المادة يعطيه الروح التي تحيا بها القيم، وحياة القيم قلنا: إنها ترتقي بك لتعطيك قيمة في الآخرة، وقد تعطيك في الدنيا راحة البال واستقامة واستقرارا، لكن تظل الحياة الحقيقية في الآخرة. فإذا شاء الله أعطي الإنسان حياة موصولة كما أعطي سيدنا يحيى، فلما دعا سيدنا زكريا ربه

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٩١٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٩١٤