[يس: 63-64]. والآن يتكلم عن العنصر الثاني وهو الرسالة فنقول عن رسوله صلى الله عليه وسلم: ﴿ وما علمناه الشعر وما ينبغي له ﴾ [يس: 69] أي: نحن لا المجتمع ولا البيئة التي يعيش فيها لذلك كانت الأمية في رسول الله شرفا لأنه لو لم يكن أميا لكانت ثقافته من الخلق. أما أميته فتعني أنه أخذ ثقافته وعلمه من الله لذلك كان من شرفه صلى الله عليه وسلم أن يكون أميا، ومن شرف أمته أن تكون أمية، لأنها لو كانت أمة متعلمة لقيل إن ما حدث في الجزيرة العربية ما هو إلا قفزة حضارية، كما قالوا: لما نصرنا الله في حرب رمضان ورأينا بأعيننا تأييد الله لنا، ومع ذلك قالوا: نصر حضاري. فالحق سبحانه يقرر هذه الحقيقة: ﴿ وما علمناه الشعر ﴾ [يس: 69] لكنا علمناه غير الشعر، فرسول الله معلم نعم، لكن معلم من من؟ من ربه، لم يأخذ شيئا من البشر. وقد يظن أن الله لم يعلمه الشعر لأن الشعر يحتاج إلى ثقافة لغوية وعلم بالأوزان والقوافي، ولا بد له من الحس المرهف والأذن الموسيقية إلى آخر هذه الأدوات التي يحتاجها الشاعر وربما لم تتوفر هذه الأدوات لرسول الله كما أنها لم تتوفر لكثيرين غيره. فيرد الله تعالى هذا الظن، ويقول: ﴿ وما ينبغي له ﴾ [يس: 69] يعني: لم نعلمه الشعر لنقص في إمكانياته، فلو أراد أن يقول شعرا لقال الشعر على أحسن ما يقال، لكن لا ينبغي له ذلك لأن مهمة الرسول خلاف مهمة الشاعر، فأغلب الشعر في الكذب وفي الشر، فإذا دخل في الخير ضعف ولان، ذلك لأن طبيعة الشعر أن ينطلق ويحلق في الخيال، وأن يقول الشاعر ما يحلو له أيا كانت غايته لذلك قالوا: أعذب الشعر أكذبه.
وكثيرا ما نرى الشعراء أصحاب القيم والأخرق يصعب عليهم الجمع بين مطلوب الإيمان منهم، وما تدعوهم إليه ملكة الشعر عندهم، فلا يملكون إلا أن يحصروا أنفسهم في شعر القيم والأخلاق والفضائل، ويبتعدوا عن شعر الهجاء والغزل. والشاعر المهجري الذي عرف عنه التقوى والصلاح، فحاول أن يجمع بين هذه التقوى والموهبة الشعرية لديه فقال:
مولاي إني قد عصيتك عامدا
لأراك أجمل ما تكون غفورا
ولقد جنيت من الذنوب كبارها
ضنا بعفوك أن يكون صغيرا
فأجاد في الأولى، ولم يوفق في الثانية. وسيدنا حسان بن ثابت، كان شاعرا مجيدا في الجاهلية، فلما أسلم قالوا له: لان شعرك يا أبا الحسام. فقال: الشعر نكد يقوى في الشر، فإذا دخل في الخير ضعف ولان. فقوله تعالى: ﴿ وما ينبغي له ﴾ [يس: 69] دفع عن رسول الله الاتهام بأن طبيعته ليست شاعرية، أو أنه غير مرهف الحس، وأن أذنه غير موسيقية، إلى آخر هذا الهراء، وكيف يتهم بهذا من علمه الله، وباشرت أذنه الوحي؟ أما القول بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أنشد الشعر، نعم أنشد رسول الله الشعر، لكن لم ينشده مستقيما، بل خالف فيه حتى لا يظل البيت على استقامة وزنه، فلما أنشد:
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا
ويأتيك من لم تزود بالأخبار
وورد أنه صلى الله عليه وسلم قال: " أصدق كلمة قالها لبيد:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل
وكل نعيم زائل لا محالة
والصواب:
ألا كل شيء ما خلا الله باطل
وكل نعيم لا محالة زائل
إذن: كان سيدنا رسول الله يكسر وزن البيت، حتى لا يقال إنه أنشد الشعر، مع أن الله تعالى قال: ﴿ وما علمناه الشعر ﴾ [يس: 69] لكن لم ينه رسول الله عن إنشاده، فكأن رسول الله يحتاط للأمر، فيقول ولا أنشده أيضا، ليكون بعيدا عنه كلية. هذا عن الإنشاد، أما عن قوله الشعر بنفسه، فيرى البعض أنه صلى الله عليه وسلم قال شعرا مثل قوله في غزوة حنين:
أنا النبي لا كذب
أنا ابن عبد المطلب
نعم جاء هذا القول من رسول الله موافقا لوزن شعري يسمونه الرجز، فهو قول صادف وزنا شعريا وفرق بين نظم الكلام وإخضاعه للوزن والقافية، وبين كلام يصادف وزنا دون قصد، وإلا ففي القرآن نفسه آيات صادفت وزنا شعريا، فهل نقول إنها شعر؟ واقرأ مثلا: