تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

زعم المنجم والطبيب كلاهما

لا تحشر الأجساد قلت إليكما

إن صح قولكما فلست بخاسر

أو صح قولي فالخسار عليكما

وكما يقول لك الناصح: إن ذهبت في الطريق الفلاني فاحذر وخذ الاحتياط لأن فيه ذئابا وسباعا وقطاع طرق، فماذا عليك إن أخذت الحيطة، ولم تجد شيئا، مما خوفك منه؟ كذلك اعتقادي في البعث إن لم يفدني لا يضرني، واعتقادكم إن لم يضركم لا يفيدكم. وأقوى شبهة في مسألة بعث الأجساد عند الفلاسفة أنهم قالوا: هب أن إنسانا مات ودفن وتحلل جسده وزرعت على قبره شجرة تغذت من بقاياه، ثم أثمرت وأكل من ثمارها إنسان آخر، فوصلت إليه عناصر من الأول، فحين يكون البعث. كيف تبعث هذه العناصر للأول، أم للآخر؟ وصاحب هذه الشبهة فهم أن العناصر حين تتكون لها ذاتية في التكوين، ولم يفهم أن لها جنسية في التعميم، كيف؟ نقول: هب أن إنسانا أصابه مرض أنقص وزنه عشرين كيلو مثلا، ثم هدى الله الطبيب إلى علته ووصف له الدواء شفي من مرضه وتغذى حتى عاد إلى وزنه الأول، أين ذهبت عناصره التي نقصت منه؟ وهل هي كمية نفس العناصر التي عادت إليه بعد أن شفي؟ إذن: المسألة ليست خصوصية عناصر، بل كمية عناصر، والعظمة في أن نحصي كمية عناصر كل إنسان، فلو جمعت كمية العناصر الموجودة عندي أكون محمد الشعراوي لأن عناصر البشر جميعا واحدة هي الستة عشر عنصرا المعروفة، والتي تبدأ كما ذكرنا بالأكسوجين، ثم الكربون، ثم النتروجين، ثم الهيدروجين.. الخ لكن يختلف الأشخاص باختلاف كميات هذه العناصر عند كل منا، فأنت عندك كذا أكسوجين، وكذا كربون، وكذا نتروجين، وأنا أعلى منك في الأكسجين، وأقل منك في الكربون، وهكذا. والحق سبحانه يعلمنا أن المسألة ليست ذاتية عناصر، وخصوصية عناصر، إنما قيمة عناصر، فيقول سبحانه في سورة ق:

قد علمنا ما تنقص الأرض منهم وعندنا كتاب حفيظ

[ق: 4] يعني: يحفظ هذه الكميات ويحصيها بمقاديرها، فإذا أراد سبحانه البعث جمع نسبة كذا ونسبة كذا تعطي فلانا، ونسبة كذا إلى نسبة كذا تعطي فلانا وهكذا، ولم يقف الأمر عند علم هذه النسب، بل حفظها الله وسجلها في كتاب حفيظ. وفي موضع آخر، يرد الحق سبحانه على منكري البعث يقول لهم: لماذا تكابرون في البعث، وهو إعادة لشيء كان موجودا بالفعل وتفرقت عناصره، والأعجب من ذلك أن أنشأته من غير موجود، إذن: فالبعث أهون من الإعادة

وهو الذي يبدؤا الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه

[الروم: 27] هذا إن جاريناكم في فهمكم للأمور، واتبعنا قوانينكم في التفكير. وسبق أن أوضحنا أن العناصر التي خلقها الله في الكون هي هي، لم تزد شيئا، ولم تنقص شيئا، فالماء مثلا هو نفس الماء منذ خلق الله الأرض، لكنه يدور في دورة معروفة، فالإنسان مثلا يشرب طوال حياته كذا طن من الماء، فهل يحتفظ بها؟ لا بل تخرج منه في صورة بول وخلافه، حتى بعد أن يموت يتبخر ما فيه من مائية، وتمتصها الأرض لتبدأ دورة جديدة للماء. وهكذا عناصر الإنسان تدور هذه الدورة. وهنا يسوق الحق سبحانه لهؤلاء المنكرين هذا الدليل: ﴿ وآية لهم الأرض الميتة أحييناها وأخرجنا منها حبا... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٨٩٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٨٩٠