بديع السموت والأرض
[البقرة: 117] يعني: خلق السماوات والأرض ابتداء على غير مثال سابق احتذاه في الخلق. أو: أن المعنى ﴿ الذي فطرني ﴾ [يس: 22] أي: على الإيمان به إيمان فطرة، إذن: فإيمانه بالله إما إيمان شكر لمن خلقه وأوجده على غير مثال سابق، أو إيمان الفطرة الأولى التي فطر الله الناس عليها، واستجاب هو لما في ذاته من هذه الفطرة. وحين نتأمل مهمة هذا الرجل نجد أنه أشبه بالقلب بالنسبة لباقي أعضاء الجسم، أي: من حيث تكوين مراحل الإيمان، كيف؟ الجسم عبارة عن جوارح متعددة، لكل جارحة مهمة ووظيفة، وحياة الجسم تتطلب مقومات الحياة من الطعام والشراب والهواء، فيأكل الإنسان من نتاج الأرض، ويشرب من مائها. وبعد عملية التناول وما فيها من نعم لله في أسنان تقطع، وأضراس تطحن، ولعاب يساعد في عملية البلع، وعصارات هاضمة.. الخ يتمثل الغذاء في الجسم إلى دم يستقبله القلب فيأخذ منه حاجته أولا ليقوي نفسه على ضخ الدم إلى باقي الأعضاء ليؤدي كل عضو مهمته. كذلك، كان هذا الرجل من حيث قوة إيمانه، فبعد أن آمن واستقر الإيمان في قلبه أراد أن يعدي إيمانه إلى قومه، وأن يشع عليهم من الهداية التي تشرب بها قلبه، إذن: فهو يمثل قلب الرسالات، لذلك جاء في الحديث الشريف أن
" يس قلب القرآن "
وهذه المسألة لم تأت إلا في يس، لذلك كانت هي قلب القرآن لأنها جاءت بآخر مرحلة من مراحل الرسالات التطوعية التي تخدم الرسالة الواجبية. وما دام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخبر أن يس قلب القرآن، فعلى المؤمن أن يقبل كل ما جاء في فضلها مما صح عن رسول الله، وليس من الضروري أن نقف على علة كل شيء، لأن الإيمان كما قلنا غيب ومشهد، والمؤمن يأخذ من صدق ما شاهد دليلا على صدق ما غاب عنه. إذن: لنأخذ هذه الأحاديث على العين والرأس، حتى إن قرأت يس، فلم تجد ما أخبرت به الأحاديث، فيكفيك أنك تقرأ كلام الله، ولن تعدم الخير على أي حال لذلك رأينا بعضهم يضع الأحاديث التي تحث على قراءة القرآن. وقد ورد في حديث أبي أن المريض الذي تقرأ عنده يس تأتيه صفوف الملائكة على قدر كل حرف منها عشرة آلاف ملك، لا يفارقونه حتى يموت، ثم يشهدون تغسيله، ويشهدون تشييعه، والصلاة عليه ودفنه. وفي رواية أخرى: من قرئت عنده يس وهو مريض، أو قرأها هو لنفسه يأتيه جبريل عليه السلام بكأس فيه ماء، فيشربه شربة لا يظمأ بعدها، ولا يحتاج إلى أحواض الأنبياء. هذا كله وغيره على العين والرأس، وتحقق معناه عندنا، أو لم يتحقق. وقوله سبحانه ﴿ وإليه ترجعون ﴾ [يس: 22] يعني: لا تظنوا أنكم تفلتون من الله لأنكم في قبضته، وأنتم في البدء كنتم منه بإقراركم، وكذلك تكون النهاية إليه والمرجع، فإن لم تقدروا نعمة الإيجاد فقدروا مغبة العود. ونلحظ في هذه الآية أن الرجل المؤمن يتكلم عن نفسه بصيغة المفرد ﴿ وما لي لا أعبد الذي فطرني ﴾ [يس: 22] ثم يعدل عن الإفراد إلى خطاب الجماعة والقوم المكذبين ﴿ وإليه ترجعون ﴾ [يس: 22] ولم يقل: وإليه أرجع، لماذا؟ قالوا: لأن الطاعة التي هي أصل العبادة إنما تأتي على مراحل ثلاث: الأولى: أن تطيع من تجد فيه نموذجا كماليا يستحق أن يطاع، ويستحق أن يحمد لكماله، وإن لم يعد عليك منه شيء، كما تنظر مثلا إلى قصيدة رائعة معبرة فتعجب بقائلها وتثني عليه، أنت لا يعود عليك شيء منها لكنك تقدر الشاعر لذاته. الثانية: أن تطيع إنسانا وتقدره لمنفعة تعود عليك منه، وكثيرا ما نرى الناس يخدمون رجلا جبانا لا يستحق أن يخدم، وما خدمه الناس إلا طمعا فيما عنده. والمرحلة الثالثة: أن تطيع شخصا أو تحترمه لمجرد الخوف منه واتقاء شره. وقد حقق الرجل الذي جاء من أقصى المدينة يسعى المرحلتين الأولى والثانية في قوله ﴿ وما لي لا أعبد الذي فطرني ﴾ [يس: 22] فأنا أعبده لأنه بكماله يستحق أن يعبد، وأعبده لنعمه المتوالية، أما المرحلة الثالثة فجعلها لهؤلاء المكذبين من قومه، فقال ﴿ وإليه ترجعون ﴾ [يس: 22]. يعني: تنبهوا يا قوم: إذا لم تقدروا في الله صفات الكمال التي يحب لأجلها، ولم تقدروا في الله نعمه المتوالية عليكم، فاعلموا أن العودة إليه والمرجع والمصير بين يديه، وهو سبحانه قوي عليكم، لا يفلت من قبضته أحد. ثم يؤكد هذا الرجل المؤمن على مسألة عباده الله وحده، فيزيد: ﴿ أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا... ﴾.