[يونس: 72] يعني: أنتم أيها القوم لا تملكون مقدار أجري، ولا تقدرون على تقييمه، إنما يعطيني أجري الذي أعمل من أجله. كل رسل الله قالوا هذه الكلمة إلا رسولين، هما: سيدنا إبراهيم، وسيدنا موسى عليهما السلام، لماذا؟ قالوا: لأن إبراهيم كانت أول دعوته لأبيه آزر، ولا يليق أن يطلب منه أجرا على دعوته إياه إلى الحق، كذلك سيدنا موسى أول ما دعا دعا فرعون الذي رباه في بيته، وله فضل عليه، فكيف يطلب منه أجرا؟ وقوله سبحانه: ﴿ وهم مهتدون ﴾ [يس: 21] حيثية ثالثة لاتباعهم، فهم مرسلون من قبل من أرسله الله، والله لا يرسل إلا من يهدي إلى صراط مستقيم يوصل إليه سبحانه. فهؤلاء المرسلون مهتدون في أنفسهم، وبالتالي هادون لغيرهم، فهو إذن يذكر الأمر وعلته، فهؤلاء الرسل لا يسألون أجرا، ولا يدعون إلى ضلال، بل إلى هدى. ثم يلتفت هذا الرجل إلى نفسه، فيقول للقوم: أنا لا آمركم أمرا أنا عنه بنجوة، ولو كنت سأغشكم فلن أغش نفسي ﴿ وما لي لا أعبد الذي فطرني ﴾ [يس: 22] أي: خلقني من العدم، فهو أولى بالعبادة، هو الذي صنعني، أوجدني من عدم، وأمدني من عدم، ولا زال يوالي علي نعمه، إذن: ما يمنعني أن أعبده وهو أولى بالعبادة، ولو لم تكن عبادتي له إلا لأكافئه على نعمه دون نظر إلى ثواب، لكانت عبادته واجبة. وهذا ليس كلام رسول، إنما كلام رجل مؤمن متطوع باشر الإيمان قلبه، فأراد أن يزكي إيمانه، وأن يعدى هدايته إلى غيره من باب قوله صلى الله عليه وسلم:
" لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه ".
الحق سبحانه خلق الخلق أولا، ثم أرسل الرسل بالمنهج لهدايتهم، الرسل بدورهم بلغوا الأصحاب، ومن بلغه شيء تحمله كما يتحمله الرسول، لذلك قال سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" نضر الله امرءا سمع مقالتي فوعاها، ثم أداها إلى من لم يسمعها فرب مبلغ أوعى من سامع ".
إذن: مسئولية الدعوة يتحملها أولا الرسل، ثم المؤمنون بهم الذين بلغتهم الدعوة، وهذا التحمل ليس تفضلا، إنما تكليف من الله، لذلك قال سبحانه:
لتكونوا شهدآء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا
[البقرة: 143]، فكما شهد الرسول أنه بلغكم، فواجب عليكم أن تشهدوا على الناس أنكم بلغتموهم لأن المؤمنين بالرسالة امتداد للرسول. لذلك، رأينا هذا الرجل المؤمن الذي جاء من أقصى المدينة يسعى لإعلاء كلمة الحق وتأييد الرسل لم يكن رسولا ولم يكلفه أحد بهذا، إنما تطوع به لأن طاقة الإيمان عنده دفعته إلى هذا الموقف.
ثم نراه يطبق المسألة على نفسه أولا، فيقول: ﴿ وما لي لا أعبد الذي فطرني ﴾ [يس: 22] وهذا تلطف في عرض الدعوة وأحرى أن تقبل. وقوله: ﴿ وما لي ﴾ [يس: 22] كأنه يتعجب من أمر نفسه لو أنه لم يؤمن بالذي فطره، والتعجب من النفس أصدق ألوان التعبير، كأنه لا يماري ولا يداهن ويقول ما في نفسه، كما قال سيدنا سليمان - عليه السلام:
مالي لا أرى الهدهد
[النمل: 20]. فالجواب ليس عند الغير، بل عنده هو، كأنه يقول: لا بد أن يكون الهدهد موجوا لكني لا أراه، فالقاعدة أنه يستعمل الكل والكل موجود، فالعجب عندي أنا: ما لي لا أراه، ثم يعيد الأمر
أم كان من الغآئبين
[النمل: 20] يعني: إما أن يكون المانع من عندي أنا، أو من عنده، كأنه يشكك في الأول، ثم يدقق فيجده من عنده هو. فقوله: ﴿ وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون ﴾ [يس: 22] كأن أمر الفطرة والخلق يقتضي أن تعبد الذي فطر، والخروج عن هذا أمر يستدعي العجب. لذلك في سورة البقرة الحق سبحانه يلقننا في مخاطبة الكافرين
كيف تكفرون بالله وكنتم أموتا فأحيكم
[البقرة: 28] يعني: كيف يكون ذلك منكم، إن كفركم بالله الذي خلقكم ورزقكم أمر لا يجوز بالمنطق العقلي، فأخبرونا إذن الطريقة التي كفرتم بها. والفطر: الخلق العجيب على غير مثال سابق لذلك يقول سبحانه عن نفسه