ومن آياته اليل والنهار والشمس والقمر لا تسجدوا للشمس ولا للقمر واسجدوا لله الذي خلقهن إن كنتم إياه تعبدون
[فصلت: 37].
ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذآ أنزلنا عليها المآء اهتزت وربت إن الذي أحياها لمحى الموتى إنه على كل شيء قدير
[فصلت: 39]. وبعد أن تتأمل في ملكوت الله وآياته في كونه فتؤمن به يعطيك قضايا أخرى لا يتسع لها عقلك، لماذا؟ لأنه سبحانه يريد للإيمان به عنصرين: أن تؤمن بالمشهد، وأن تسلم إذا آمنت بالمشهد على وجود حق، وهو الحق واجب الوجود، فتسمع منه سبحانه، فإن أخبرك بشيء لم يتسع له عقلك فاقبله من باطن الإيمان به. فإن قال لك إن الصراط مثلا أدق من الشعرة، وأحد من السيف فلا تنكر، وإن كان عقلك لا يتسع لإدراكها، لأن الذي قالها الله المشرع. فأنت أخذت من المشهد دليل الغيب وهو الله، وأخذت من دليل الغيب وهو الله إيمانك بأشياء لا يعقلها عقلك، فكأن المشهد والغيب عليهما مدار الإيمان وغيره. فمطلوبات التدين إما مطلوبات من القلب، أو مطلوبات من الجوارح، أو مطلوبات من اللسان. فالقلب مطلوب منه العقيدة بأن يؤمن بواجب الوجود، وأنه واحد، وأن يؤمن بأنه لا بد أن يبلغني منهج حياتي لأنه هو الذي خلقني وأنا صنعته، والصانع هو الذي يحدد قانون الصيانة لما صنع، وقانون الصيانة لا يكون إلا بالبلاغ. والحق سبحانه لا يكلم الخلق واحدا واحدا، إنما يصطفي لهذه المهمة - مهمة البلاغ عنه سبحانه - من يشاء من الملائكة ومن البشر، فالمصطفى من الملائكة يبلغ المصطفى من البشر، والمصطفى من البشر يبلغ بقية الناس لذلك ربى النبي صلى الله عليه وسلم الأمة الإسلامية في ثلاث وعشرين سنة، ولو أن كل واحد انتظر أن يكلمه الله مباشرة لاستغرقت تربية الأمة أكثر من ذلك بكثير.
إذن: البلاغ عن الله ضرورة من ضرورات وجود الله، وإلا إذا كان الله موجودا فأنت لا تعرف أنه سبحانه واحد، أو أن له شريكا، أنت بنفسك لا تعرف هذه المسألة، لا بد من رسول يخبرك: عن الله، عن اسمه، وعن صفاته، وعن مراده منك. لذلك الذين يعبدون الشمس أو القمر أو الشجر أو الحجر أبلغ رد عليهم أن نقول لهم أولا: ما هي العبادة؟ العبادة طاعة العابد لمعبوده في أمره ونهيه، فنقول: ماذا قالت لكم الشمس؟ بم أمرتكم؟ وعن أي شيء نهتكم؟ ماذا أعدت لمن عبدها؟ وماذا أعدت لمن عصاها؟ إذن: هذه آلهة بلا منهج وبلا تكاليف، فهي إذن باطلة مردودة. وسبق أن أوضحنا هذه المسألة بمثال، قلنا: لو أن طارقا طرق علينا الباب، لا بد أننا جميعا سنلتقي في فكرة واحدة، هي أن طارقا بالباب يريد الدخول، إنما لا أحد منا يعرف من هو؟ ولا لماذا أتى؟ ولا من أين، أهو بشير أم نذير؟ هذه أمور لا بد أننا سنختلف فيها. إذن: علينا أن نقف عند الحد الذي نتفق عليه، وهو أن طارقا بالباب، ونترك لهذا الطارق أن يعبر هو عن نفسه، فنقول: من أنت؟ فيقول: أنا فلان جئت لكذا وكذا. كذلك الحق سبحانه يكفي أن تستدل من صنع الكون العجيب أن له صانعا عالما قادرا حكيما، له كل صفات الكمال، لكن من هو؟ وما مراده منك؟ هذه مهمة الرسول المبلغ عن الله. لذلك، فإن خيبة الفلاسفة أنهم لم يقفوا عند تعقل واجب الوجود سبحانه، بل أرادوا أن يتصوروا واجب الوجود، هذا هو خطؤهم، ولو وقفوا عند التعقل لكان كافيا، ثم تقول لمن تعقلته: من أنت؟ وماذا تريد مني؟ ماذا أعددت لي إن أطعتك؟ وماذا تفعل بي إن عصيتك؟ وعندها يرسل لك رسولا يجيبك على كل هذه الأسئلة. هذا هو مطلوب التدين القلبي، وهو الاعتقاد بوجود إله واجب الوجود، واحد أحد، وأنه يرسل الرسول ليبلغ عنه، وهذا الرسول صادق في البلاغ مؤيد بمعجزة، هذه مسألة عقلية واضحة. وبعد أن آمنت بهذه العقلية الواضحة المشهودة يخبرك بأشياء غيبية لا دليل عليها، كالإخبار مثلا عن الجنة وصفاتها، وأنك ستتمتع فيها وتأكل دون أن تتغوط.. إلخ هذه كلها مسائل يقف العقل أمامها، لكن من أخبرك بها؟ الله الذي صدقك فيما شاهدت، وسبق أن آمنت به ووثقت بكلامه. ثم يأتي دور مطلوبات الجوارح، فالإله الذي آمنت به لا بد أن تكون على اتصال دائم به سبحانه لذلك شرع لك الصلوات الخمس، وفيها دوام الولاء لله.