تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولا الظل ولا الحرور * وما يستوي الأحيآء ولا الأموات

[فاطر: 21-22] فتراه بدأ بصفة الإيجاب فلم يقل الحرور ولا الظل كما قال

الأعمى والبصير

[فاطر: 19] لماذا؟ لأن الحديث هنا عن أمة النصر وأمة الإيمان، فناسب أن يبدأ التقابل بصفة الخير التي تناسب هذه الأمة الجديدة. وفي هذا المعنى إشارة لطيفة إلى انتهاء الجاهلية وظلماتها وعماها، وإيذان ببداية أجل جديد، لأمة الإيمان الوليدة التي تستظل بواحة الإيمان بعد أن أحياهم الله بالإيمان وكانوا أمواتا بالكفر، كما قال سبحانه في آية أخرى:

أو من كان ميتا فأحيينه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمت ليس بخارج منها..

[الأنعام: 122]. وسبق أن بينا الفرق بين ميت وميت، الميت بالتشديد هو من يؤول أمره إلى الموت وإن كان حيا، ومن ذلك خطاب الحق سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم:

إنك ميت وإنهم ميتون

[الزمر: 30] يعني: سيؤول أمرك إلى الموت. أما ميت بالسكون فهو الذي مات بالفعل. إذن: نستطيع أن نقول ﴿ فإذا جآء أجلهم ﴾ [فاطر: 45] أي: بنصرة الإيمان على الكفر ﴿ فإن الله كان بعباده بصيرا ﴾ [فاطر: 45] كلمة عباد وعبيد جمع لعبد، ومع أنهما جمع لمفرد واحد إلا أن معناهما مختلف لأن الإنسان العبد ملك سيده، وما دام ملكه فهو مطيع لأوامره، والإنسان المؤمن له اختيار، فالله تعالى يخاطبه وهو يطيع أو يعصي، في حين أن العبد لا يعصي سيده إن كان من البشر. نعم قد يخالف أمر الله، لكنه لا يخالف أمر سيده، كيف؟ قالوا: لأن الله تعالى هو الحليم الغفار، أما السيد من البشر فلا يخلو من جبروت، أو طغيان، أو استبداد وتسلط. وفرق بين طاعة العبد وهو مختار أن يعصي وطاعته وهو مقهور على الطاعة، وسبق أن مثلنا لهذه المسألة بعبدين سعيد وسعد، سعيد شد إلى سيده بسلسلة لا يستطيع الفكاك منها، وسعد أطلق حرا لا يقيده شيء، وحين ينادي السيد على أحدهما يأتيه، فأيهما أطوع؟ لا شك أن سعدا أطوع من سعيد لأنه يأتي سيده وهو قادر مختار ألا يأتي، أما سعيد فلا يملك إلا أن يجيب لأنه لو عصى لجذبه السيد من السلسلة. كذلك الحق سبحانه خلق الخلق مختارين، ووضع لهم هذه القاعدة:

فمن شآء فليؤمن ومن شآء فليكفر

[الكهف: 29] من شاء أطاع، ومن شاء عصى، وهذا تصرف العبيد مع سيدهم، فإن قال العبد: يا رب أنت خلقتني ورزقتني وجعلت لي الجوارح، وجعلتني مختارا، وأنا عبد من عبيدك لذلك أتنازل عن اختياري لاختيارك، وعن مرادي لمرادك، لقد اختار هذا العبد أن يكون مقهورا لربه مسخرا كما سخرت السماء والأرض.

وهؤلاء هم العباد، وهم الصفوة من الخلق الذين آثروا مراد الله على مراد أنفسهم لذلك يتحدث عنهم الحق سبحانه ويعطينا صورة لهم:

وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا

[الفرقان: 63] يعني: متواضعين غير متكبرين، وعلام التكبر

إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا

[الإسراء: 37].

وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما * والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما * والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما * إنها سآءت مستقرا ومقاما * والذين إذآ أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما * والذين لا يدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما

[الفرقان: 63-68]. هذه صفات ثمان ترسم لنا صورة كاملة لمن استحقوا أن يكونوا عباد الله لذلك يخاطبهم ربهم في موضع آخر:

قل يعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم

[الزمر: 53]. ومن رحمة الله بعباده أن الحسنة تمحو السيئة، كما قال سبحانه:

وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من اليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٨٥٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٨٥٨