ما ترك عليها
[النحل: 61] هذا الضمير متصل بالآية قبلها:
..وما كان الله ليعجزه من شيء في السموات ولا في الأرض
[فاطر: 44] فالضمير يعود على أقرب مذكور، وهو الأرض، ويفهم هذا المرجع أيضا بالقرينة العقلية لأن المعنى ينصرف إليها. وهذه الآية لها معنا قصة ونحن صغار في كتاب الشيخ حسن رحمه الله، وكان الشيخ يكلف العريف أن يصحح لنا الألواح، وفي هذا اليوم جلس الشيخ حسن يصحح لنا بنفسه، لكن في هذا اليوم لم أكن صححت اللوح وطلعت خالص وانتظرت الفلكة والمقرعة تشتغل، لكن الشيخ قال لي: اسمع أنا سأعلمك كيف تقرأ هذه الآية دون أن تخلطها بآية النحل، لا تجمع الظائين ولا السينين يعني: إن قلت بظلمهم فلا تقل على ظهرها وإن قلت بما كسبوا فلا تقل لا يستأخرون ساعة وهكذا كان شيخنا رحمه الله يعايش القرآن ويتفاعل معه، وصدق الله العظيم
ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر
[القمر: 22]. وكان لي معه أيضا - رحمة الله عليه - قصة أخرى، ما زلت أذكرها في سورة الشورى، وجلس الشيخ يصحح لنا اللوح وكنا هربنا ولم نصحح، فلما جلست أمام الشيخ قرأت حم عسق وقد مرت بنا حم وطه وغيرهما لكن لم يمر بنا مثل عسق فقرأتها كما هي عسق، فضربني الشيخ فقرأت أيضا عسق فضربني، وفي المرة الثالثة عرف أنني لم أصحح اللوح على العريف، فقال: قل عين سين قاف، فظلت ملازمة لي لا أنساها حتى الآن، رحمهم الله ورضي عنهم أجمعين. والمراد بالأجل في ﴿ فإذا جآء أجلهم ﴾ [فاطر: 45] أي: القيامة والعذاب، أو جاء أجل إفنائهم بعذاب يستأصلهم، وعرفنا أن عذاب الاستئصال مثل الصيحة والرجفة والخسف.. الخ لا ينزل إلا على يأس من هداية القوم، بحيث لم يعد هناك أمل في حياتهم، كما جاء في قصة سيدنا نوح - عليه السلام - لما قال:
رب لا تذر على الأرض من الكافرين ديارا * إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا
[نوح: 26-27]. لكن إن كان هناك أمل في أن يؤمن بعض القوم فلا ينزل بهم مثل هذا العذاب. أو: يراد بالأجل هنا أجل الأمة، كما قال سبحانه:
لكل أمة أجل
[يونس: 49] فكأن الآجال ثلاثة: أجل للدنيا ونهايته قيام الساعة، وأجل للشخص الواحد بانتهاء عمره، وأجل للأمة كلها حين يأتيها عذاب عام يقضى عليهم جميعا مرة واحدة. أو: لكل أمة أجل تنتصر فيه، وتغلب مع وجود المعاندين والكافرين، كما حدث لسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لما انتصر المسلمون في بدر، فقد كان لأمة الظلم والكفر أجل انتهى بالإسلام وقوة المسلمين، مع أن الأمل كان بصيصا من نور، بحيث يغلب اليأس على الأمل. حتى أن سيدنا عمر - رضي الله عنه - يقول لما نزلت:
سيهزم الجمع ويولون الدبر
[القمر: 45] قال عمر: أى جمع هذا ونحن عاجزون عن حماية أنفسنا؟ فلما جاءت بدر وانتصر المسلمون، قال: صدق الله
سيهزم الجمع ويولون الدبر
[القمر: 45] فقد اشتدت شوكة الإسلام، وقوى المسلمون، وأذنت دولة الكفر بالزوال، انتهى أجل الأمة الكافرة الظالمة، وبدأ أجل الأمة المؤمنة. لذلك حين نتأمل قوله تعالى:
وما يستوي الأعمى والبصير * ولا الظلمات ولا النور * ولا الظل ولا الحرور * وما يستوي الأحيآء ولا الأموات..
[فاطر: 19-22]. نجد أربعة متقابلات، الأولان منها مطابقان لحاله صلى الله عليه وسلم مع أمته قبل انتشار الإسلام في فترة غلبة الجاهلية على سيدنا رسول الله وأتباعه في مكة، فالأعمى أي: الجاهل بالحكم، والبصير العالم به، والظلمات يعني: الضلال والكفر، والنور هو الإيمان، لأنهم كانوا عميا، فأراد الله أن يبصرهم، وكانوا في ظلمات الجهل والضلال فأخرجهم الله منها إلى نور الإيمان.
أما المتقابلان الأخيران فيطابقان حاله صلى الله عليه وسلم مع أمته بعد أن أرسى الإسلام دعائمه، وتمكن من نفوس المؤمنين