35.27
تلحظ أن الحق سبحانه وتعالى يذكرنا ببعض نعمه علينا، ثم يتبع ذلك ببعض المطلوبات، وهكذا ليؤنس قلبك بالإحسان إليك لتستجيب لمطلوباته. والحق سبحانه حين يذكر عباده بهذه الآية الكونية، آية إنزال الماء من السماء بعد أن بين لنبيه أخذه الشديد للكافرين، كأنه سبحانه يقول لرسوله: دعك من أمر هؤلاء الكافرين، فأنا قادر على معاقبتهم، وتأمل في هذه الآية الكونية ﴿ ألم تر أن الله أنزل من السمآء مآء.. ﴾ [فاطر: 27]. وقوله ﴿ ألم تر ﴾ [فاطر: 27] أي: تشاهد لأن الجميع يرى الماء، وهو ينزل من ناحية العلو، والسماء هي كل ما علاك فأظلك، وقد تأتي
ألم تر
[الفيل: 1] بمعنى: ألم تعلم. وهذا في الأشياء التي لم يرها رسول الله كما في قوله سبحانه:
ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل
[الفيل: 1]. ومعلوم أن سيدنا رسول الله لم ير حادثة الفيل، لكن خاطبه ربه ب
ألم تر
[الفيل: 1] ليدل على أن إخبار الله له أوثق وأصدق من رؤية العين. ومسألة إنزال الماء من السماء أي من ناحيتها، وإلا فالسماء شيء آخر، المطر إنما ينزل من السحاب القريب من الأرض. نقول: مسألة إنزال الماء من ناحية السماء يبدو أمرا طبيعيا، فبخار الماء ينعقد في السماء على هيئة سحب ممتلئة بالماء، والماء له ثقل ينزل إلى أسفل بجاذبية الأرض، لذلك يرتب الله على إنزال المطر إخراج النبات ﴿ فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها ﴾ [فاطر: 27] فإن قلت: إن نزول الماء من السماء أمر طبيعي قد يشك فيه أنه من فعل الطبيعة، فهل إحياء الأرض وإنبات النبات مختلف الثمرات والألوان أيضا من فعل الطبيعة؟ وكلمة ﴿ أنزل ﴾ [فاطر: 27] تفيد العلو من المنزل والدنو من المنزل إليه، حتى لو كان هذا الأمر معكوسا وأتى الإنزال من أسفل إلى أعلى كما في قوله تعالى:
وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس
[الحديد: 25] والحديد في الواقع نخرجه من باطن الأرض، لكن سماه الله إنزالا لأن المراد به الإتيان من أعلى لأدنى بصرف النظر عن جهته أعلى أو أدنى. ونحن نشاهد عملية إنزال الماء من السماء، لكن لم نشاهد عملية البخر التي تتم على سطح الماء في الأرض، ثم صعودها إلى طبقات الجو العليا حيث تتكون السحب عن طريق التكثيف، والإنسان لم يكن يعلم شيئا عن هذه العمليات حتى تقدمت العلوم، وعرفنا عملية تقطير الماء. أما عملية إخراج النبات والثمرات المختلفة الألوان فهي واضحة مشاهدة في البساتين والحقول، فكلنا يرى بدائع الألوان واختلاف الأشكال بحيث لا تتناهى حصرا لأن ألوان الطيف إن كانت هي الألوان الأصلية فيمكن أن يتولد منها ما لا حصر له، فاللون الأسود مثلا لو أضفت إليه قطرة واحدة من اللون البني مثلا يعطيك لونا آخر، فإن أضفت قطرتين يعطيك لونا ثالثا، وهكذا لا تتناهى الألوان، وهذه المسألة نشاهدها الآن في صناعة الأقمشة، فقد تعددت ألوانها بدرجات مختلفة وزركشات لا حصر لها.
إذن: نقول: إن الألوان كائن لا يتناهى. ولك أن تتأمل تداخل الألوان وتناسقها في زهرة أو وردة في الحديقة، وسوف ترى في ألوانها الإعجاز المبهر، فالحبة واحدة، والأرض واحدة، والماء واحد، لكن تولد من هذا كله هذا الشكل البديع وهذه الألوان المتداخلة المتناسقة لأن الحدث آثار المحدث، فإذا كان المحدث محدود القدرة ظهرت آثاره كذلك محدودة القدرة، وإذا كان المحدث فائق القدرة تأتي آثاره فائقة القدرة، أما الحق سبحانه فله طلاقة القدرة لذلك تأتي آثاره كذلك. وتلحظ في سياق الآية أن الحق سبحانه لم يتكلم عن إنزال المطر من السماء قال ﴿ أنزل ﴾ [فاطر: 27] بصيغة ضمير الغائب، لكن لما تكلم عن إخراج الثمرات قال: ﴿ فأخرجنا ﴾ [فاطر: 27] فنقلنا إلى ضمير الجماعة المتكلمة الدال على التعظيم لماذا؟ لأن إنزال الماء من السماء ليس هدفا في ذاته، فليس هو المهم، بدليل أن الماء قد ينزل على الأرض السبخة فلا تستفيد به، أما عملية إخراج الثمار فهي العملية المهمة التي أنزل الله الماء من أجلها لذلك ذكرها بضمير الجمع الدال على التعظيم، فالحق سبحانه يعظم نفسه في الفعل كما في قوله سبحانه: