تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

35.45

الحق سبحانه وتعالى رحيم يوالي نعمه حتى على الكافرين به، والعاصين لأوامره، ولو أن الله تعالى آخذهم بظلمهم - وظلمهم كثير - ما ترك أحدا منهم، فلماذا يعاملنا الله هذه المعاملة؟ ولماذا يمهلنا هذا الإمهال؟ قالوا: لأنه تعالى ربنا وخالقنا، ويعلم أن الإنسان ضعيف أمام شهوات نفسه، ضعيف أمام هواه وأمام شيطانه لذلك سبق حلمه غضبه، وسبق عفوه مؤاخدته، وقال سبحانه

ويعفوا عن كثير

[الشورى: 30]. وورد في الأثر أن الحق سبحانه يخاطبنا بقوله تعالى: ".. لو لم تذنبوا لخلقت خلقا غيركم يذنبون، فيستغفرون فأغفر لهم " وإلا فكيف يوصف الحق سبحانه بأنه تواب غفار، فالحق سبحانه يريد أن يثبت لنفسه سبحانه كل صفات الكمال، وأولها الوجود الواجب، ثم الحياة، وكل الصفات تابعة لهاتين الصفتين. وهذه الصفات لله تعالى يمكن أن تقسم إلى قسمين: قسم له مقابل: وهي صفات الفعل من الله تعالى، مثل: المحيي يقابلها المميت، والمعز يقابلها المذل، وقسم ليس له مقابل وهي صفات الذات مثل: الحي العزيز القهار الحليم، فهي صفات لا نقيض لها. والحق سبحانه لا يؤاخذ الناس بما كسبوا. أي: من التعدي والظلم لأن الله خلق الإنسان، وخلق له شهوات وغرائز، وكل أمور الدين جاءت لتعلي هذه الشهوات، وتسمو بهذه الغرائز، لا لتمحوها، جاءت لتهذبها لا لتقضي عليها، وإلا لو أن الحق سبحانه أراد ألا تحدث هذه التعديات وهذا الظلم ما جعل الغرائز أصلا. فمثلا غريزة الجنس خلقها الله لعمارة الكون، ويريد الله من الإنسان أن يعلي من هذه الغريزة بحيث تكون في الحلال وتحت مظلة الشرع، وسبق أن بينا الفرق في هذه المسألة حين تتم في النور وتحت مظلة شرع الله، وعلى كلمات الله، وكيف نفرح بها ونعلنها ونفخر بها، أما لو تمت في الخفاء بعيدا عما شرع الله فنحاول كتمانها، والتخلص من ثمرتها إن كان لها ثمرة، وإن ظهرت للناس كانت وصمة عار لا تمحى. لذلك جاء في الحديث

" أن رجلا من الصحابة كان شديد الغيرة على بناته، فلما تقدم رجل لخطبة واحدة منهن ذهب ليخبر رسول الله، فتبسم رسول الله وقال له: " جدع الحلال أنف الغيرة ".

يعني: الأمر الذي كنت تغار منه ولا تقبله، الآن تفرح به وتدعو الناس إليه، لماذا؟ لأنه جاء من طريق الحلال الذي شرعه الله، وكلمة الحق هي التي أبرزت العواطف، وجعلت المهيج المثير مسعدا لا غضاضة فيه. كذلك غريزة حب الاستطلاع موجودة في الإنسان ليتأمل الكون من حوله، ويبحث عن أسرار الله فيه، وما جعلها الله للتلصص على الناس، وتتبع عوراتهم وأعراضهم. كذلك الأكل والشرب غريزة جعلها الله لأنها مقوم من مقومات الحياة، وينبغي أن تكون في هذه الحدود حدود استبقاء الحياة، لا أن تتحول إلى نهم وشراهة، وتصل إلى حد التخمة.

والغريزة جعلها الله في الإنسان لحكمة، فالولد مثلا يتحمل أبوه مشقة تربيته والإنفاق عليه، ويظل الولد عالة على أبيه طيلة خمس عشرة سنة، ولولا أن الله تعالى ربط النسل بالعملية الجنسية، وجعل فيها لذة الجماع لزهد كثيرون في الإنجاب، كذلك الأم تتحمل مشقة الحمل والولادة والرضاعة.. إلخ، حتى أنها لتقسم في الولادة أنها لا تحمل مرة أخرى، لكن عندما يذهب ألم الوضع، ويكبر الولد تشتاق إلى غيره.. وهكذا. وحين تتأمل مسألة الغريزة تجد أن الخالق سبحانه جعل في الإنسان الغريزة ونقيضها، فتراه في موقف رحيما وفي موقف آخر غضوبا، أو عزيزا في موقف، ذليلا في موقف آخر، وهاتان الغريزتان لا تجتمعان في الإنسان في وقت واحد، فالظرف الإيماني يحكم عليه مرة بأن يكون عزيزا، ومرة بأن يكون ذليلا. واقرأ إن شئت قوله تعالى:

فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين

[المائدة: 54]. وقوله سبحانه:

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٨٥٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٨٥٥