35.15-17
النداء في ﴿ يأيها الناس ﴾ [فاطر: 15] نداء عام للناس جميعا، المؤمن والكافر، والطائع والعاصي ﴿ أنتم الفقرآء إلى الله والله هو الغني الحميد ﴾ [فاطر: 15] هذه حقيقة يذل الله بها كبرياء الذين تأبوا على الإيمان بالله، وتمردوا على منهج الله، وكأن الله تعالى يقول لهم: ما دمتم قد ألفتم التمرد فتمردوا أيضا على الفقر إن أفقرتكم، وعلى المرض إن نزل بكم، تمردوا على الموت إن حان أجلكم، إذن: أنتم مقهورون لربوبية الله، لا تنفكون عنها. ﴿ والله هو الغني الحميد ﴾ [فاطر: 15] أي: الغنى المطلق، ومعنى ﴿ الحميد ﴾ أي: المحمود كثيرا، والغنى لا يحمد إلا أن أعطى، وكان عطاؤه سابغا، فالغنى الممسك لا يحمد بل يذم. ثم يذكرهم الحق سبحانه بحقيقة أخرى غابت عنهم ﴿ إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد ﴾ [فاطر: 16] كما قال في موضع آخر:
وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم
[محمد: 38] ومعنى: خلق جديد: الشيء الجديد هو قريب العهد بالعمل فيه، مثل الثوب الجديد يعني الذي فرغ من خياطته ولم يلبس بعد. وإعادة الخلق أو الإتيان بخلق جديد أمر هين على الله ﴿ وما ذلك على الله بعزيز ﴾ [فاطر: 17] يعني: ليس صعبا، لكن الحق سبحانه يريد أن يأتي له الخلق طواعية، ويؤمنون به سبحانه، وهم قادرون على الكفر ولهم مطلق الاختيار، وهذا الاختيار موطن العظمة في دين الله. وسبق أن مثلنا هذه القضية بأنه لو أن لك عبدين أمسكت الأول إليك بسلسلة، وتركت الآخر حرا، وإن ناديت على أحدهما لبى وأجاب، فأيهما يعد الأطوع لك. كذلك الحق سبحانه يريدنا طائعين عن رضا وعن اختيار، لا عن قهر وكراهية، فالله سبحانه كما قلنا لا يريد قوالب تخضع، إنما يريد قلوبا تخشع. والإتيان بخلق جديد أمر هين يسير على الله تعالى لأن الله تعالى لا يخلق بعلاج، وإنما يخلق بكن فيكون، وهذا من الله تعالى لا يحتاج إلى زمن. ولو أردت أن تستقصي هذا المعنى في قوله تعالى:
إنمآ أمره إذآ أراد شيئا أن يقول له كن فيكون
[يس: 82] تجد أن الشيء في الحقيقة موجود بالفعل، لكن في عالم الغيب والأمر، له أن يظهر لنا في عالم الواقع لذلك لما سئل أحد العارفين قال: أمور يبديها، ولا يبتديها. وتلحظ في قوله تعالى ﴿ والله هو الغني الحميد ﴾ [فاطر: 15] ذكر ضمير الفصل هو فلم يقل الحق سبحانه: والله الغني، وهذا الضمير أفاد توكيد الخبر وقصر الغنى على الله سبحانه وتعالى، لذلك قلنا: إن هذا الضمير لا يأتي إلا فى المواضع التي تحتمل شبهة المشاركة، كما في قوله تعالى:
الذي خلقني فهو يهدين * والذي هو يطعمني ويسقين * وإذا مرضت فهو يشفين
[الشعراء: 78-80]. فجاء هنا بضمير الغائب هو لأن الهداية والإطعام والسقيا والشفاء من المرض كلها مظنة أن يشاركه فيها أحد من الخلق، أما في الحديث عن الموت فقال:
والذي يميتني ثم يحيين
[الشعراء: 81] ولم يأت هنا بضمير الغائب لأن الموت والإحياء لله وحده، ولا شبهة فيهما، ولم يدعهما أحد لنفسه. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ ولا تزر وازرة وزر أخرى وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء ولو كان ذا قربى إنما تنذر... ﴾.