تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

35.9

معنى: يرسل الرياح يعني: يحركها، وبتحريك الرياح يتم استيعاب خير الوجود كله، ألا ترى أن الريح إذا سكنت يتضايق الإنسان ويحاول تحريكها بنفسه بيده أو بالمروحة مثلا لأن حيزك في التنفس لا يتم إلا بتحريك الهواء، وتغيير ثاني أكسيد الكربون ليحل محله الأكسوجين، ولا تتم هذه العملية إلا بتحريك الهواء لذلك يقولون: إذا لم يمر عليك الهواء فمر أنت عليه. يعني: حركه أنت. ونتيجة حركة الرياح إثارة السحب ﴿ فتثير سحابا ﴾ [فاطر: 9] يعني: تهيجه وتحركه من أماكنه، بحيث يذهب بعد تجمعه إلى حيث أراد الله أن ينزل المطر، إذن: حركة السحاب ليست ذاتية، وإنما تابعة لحركة الرياح، وهذه المسألة تساعدنا في فهم قوله تعالى:

وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب

[النمل: 88]. فالجبال التي نحسبها ثابتة هي في الحقيقة تمر وتتحرك كحركة السحاب، وكما أن السحاب لا يمر بذاته، إنما بحركة الرياح، كذلك الجبال لا تمر بذاتها، إنما بحركة الأرض والجبال ثابتة على الأرض كالأوتاد لذلك تتحرك بحركتها:

صنع الله الذي أتقن كل شيء إنه خبير بما تفعلون

[النمل: 88]. البعض لم يفطن إلى حركة الأرض التي تتبعها حركة الجبال، فقال في قوله تعالى:

وهي تمر مر السحاب

[النمل: 88] أن هذا في الآخرة، لكن أين هي الجبال في الآخرة والله يقول عنها:

وتكون الجبال كالعهن

[المعارج: 9] ثم، كيف يمتن الله عليها ويحتج ببديع صنعه في حركة الجبال في الآخرة، حيث لا تكليف، ولا موضع لتحنين القلوب وعطفها إلى الإيمان. هذا عن حركة الرياح، أما عن سكونها، فيقول تعالى:

إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره

[الشورى: 33] والمراد: السفن التي تسيرها الرياح، فإن قلت: فهل يظل لهذه الآية هذا المعنى بعد التطور الذي طرأ على السفن، وبعد أن تلاشت القلاع وحل محلها الآلات التي تسير السفن دون حاجة إلى حركة الهواء؟ نقول: نعم ستظل الآية تحمل هذا المعنى إلى ما شاء الله لأن الاختراعات الحديثة لم تفاجئ خالقها عز وجل، ومن قال: إن الريح هو الهواء؟ الريح هو القوة أيا كانت، واقرأ قوله تعالى:

ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم

[الأنفال: 46] يعنى: قوتكم أيا كانت قوة هواء، أو قوة كهرباء، أو قوة بخار ومحركات.. الخ. ونلحظ في أسلوب هذه الآية أن الفعل ﴿ أرسل ﴾ [فاطر: 9] جاء في صيغة الماضي، لكن تثير في صيغة المضارع، ولم يقل سبحانه: فأثارت سحابا، قال: أرسل يعني: أمر أن ترسل، فهذه مسألة انتهت وفرغ منها، أما إثارة السحاب وتحريكه فمسألة متجددة مستمرة في كل لحظة، فناسبها المضارع الدال على الحال والاستقبال. أو: أن المعنى ﴿ والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا ﴾ [فاطر: 9] جاء في الماضي لأن الكلام عن الغيب، والاسم الظاهر غيب وهو لفظ الجلالة، ثم انتقل من الغيب في ﴿ أرسل الرياح ﴾ [فاطر: 9] إلى مقام المتكلم، فقال ﴿ فسقناه ﴾ [فاطر: 9] كأن الله يلفتك بالنعمة إلى غيب هو الله تعالى، فحين تستحضر أنه الله الذي فعل أصبحت أهلا لمكالمة الله لك.

ومثال ذلك ما قلنا في سورة الفاتحة:

بسم الله الرحمن الرحيم * الحمد لله رب العالمين * الرحمن الرحيم * ملك يوم الدين

[الفاتحة: 1-4] هذا كله غيب إلى

إياك نعبد وإياك نستعين

[الفاتحة: 5]. ولم يقل: إياه نعبد لينقلك من الغيب إلى الخطاب المباشر معه سبحانه لأنك أصبحت أهلا لأن تخاطبه ويخاطبك بعد أن آمنت بالحيثيات الأولى في

الحمد لله رب العالمين * الرحمن الرحيم * ملك يوم الدين

[الفاتحة: 2-4]. ومعنى ﴿ فسقناه إلى بلد ميت ﴾ [فاطر: 9] يعني: سقنا السحاب، أو سقنا الماء بعد نزوله في جداول وأنهار إلى الأرض التي لا نبت فيها، والتي يمكن أن تنتفع به، وهذا أدل على قدرة الله، وتأمل مثلا ماء النيل الذي يروي السودان ومصر أين نزل؟ وهذا دليل على أن رزقك سيأتيك مهما بعد عنك مصدره. فإذا ما استقر الماء في الأرض كانت النتيجة ﴿ فأحيينا به الأرض بعد موتها ﴾ [فاطر: 9] يعني: أحييناها بالنبات، ثم يجعل الحق سبحانه من نعم إحياء الأرض الميتة دليلا على نعمة أخرى موصولة في الآخرة، فيقول سبحانه: ﴿ كذلك النشور ﴾ [فاطر: 9] يعني: البعث يوم القيامة وإحياء الموتى من قبورهم. فخذ مما تشاهد من إحياء الأرض دليلا على صدق ما غاب عنك، فكما أن الماء ينزل على الأرض الميتة فيحييها، كذلك حين تنزل الروح على مادة الإنسان المدفونة في الأرض يحدث لها النشور والبعث، وتدب فيها الحياة. وسبق أن بينا أن العلماء لما حللوا جسم الإنسان وجدوه مكونا من ستة عشر عنصرا. أولها: الأكسوجين. وآخرها: المنجنيز. وهي نفسها عناصر التربة التي ينمو فيها النبات. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ من كان يريد العزة فلله العزة جميعا... ﴾.

خواطر محمد متولي الشعراوي · الصفحة ٤٨١١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

خواطر محمد متولي الشعراويص ٤٨١١