فالمعنى: ما أنت بمسمع السماع المؤدي إلى الهداية، كما أنك لا تسمع من في القبور لأن زمن السماع وقبول الهداية انتهى بالموت. لكن إذا كان رسول الله لا يسمع من في القبور، فما مهمته؟ يقول سبحانه بعدها: ﴿ إن أنت إلا نذير ﴾.
35.23
إن هنا بمعنى ما النافية: ما أنت إلا نذير أي: محذر من المعصية ومن العذاب، وكأن الحق سبحانه يريد أن يخفف عن رسوله، فيحدد له هذه المهمة فحسب، وليس له أن يزيد عليها بما يشق عليه حتى يكاد يهلك نفسه، فيقول له: مهمتك فقط الإنذار، أما الهداية فمن الله فأرح نفسك، فلو أرادهم الله جميعا مؤمنين لجاءوا طائعين مسخرين كغيرهم من المخلوقات.
لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين * إن نشأ ننزل عليهم من السمآء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين
[الشعراء: 3-4]. ثم يقول الحق سبحانه: ﴿ إنآ أرسلناك بالحق بشيرا ونذيرا... ﴾.
35.24
الحق: هو الشيء الثابت الذي لا يتغير، والله تعالى يضرب لنا مثلا حسيا لتوضيح الحق والباطل، فيقول سبحانه:
أنزل من السمآء مآء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار ابتغآء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفآء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال
[الرعد: 17]. وقد ترجمنا هذه العلاقة بين الحق والباطل ترجمة عصرية فقلنا: لا يصح إلا الصحيح، نعم لأن الباطل وإن أخذ صورة الحق مرة بعض الوقت، فهو كالزبد الذي سرعان ما تزيحه الرياح لتكشف وجه الحقيقة الناصع والحق الواضح. وقوله تعالى لنبيه: ﴿ إنآ أرسلناك بالحق ﴾ [فاطر: 24] يدل على أنه الرسول الخاتم الذي لا رسول ولا نبي بعده يغير شيئا مما جاء به، فالنبي جاء بالحق الثابت الذي لا يتغير أبدا، ولا يستدرك عليه أحد بعده. لذلك فإن آفة البشرية الآن أنها تحكم العصر وتطور الأوضاع في الحكم على المخالفات الشرعية، فحين نتعرض لمخالفة نسمع من يقول إنه التطور الذي لا بد منه، وهؤلاء هم دعاة عصرنة الدين، يعني تطويع الدين ليلائم العصر. وهذا يعني أن تطور العصر هو المشرع، في حين أن المفروض أن العصر هو الذي يستقبل تشريع السماء ويبني حركة حياته على هديه ونوره لأن الحركة التي تبنى على هدي السماء هي الحركة العليا من الرب الأعلى الذي يعلم حقيقة الخير لك ولا يستدرك عليه، أما إن شرع لك إنسان مثلك، فحتى هو لو دلك على الخير فهو خير من وجهة نظره وعلى قدر علمه، فلا بد أن يكون فيه نقص وقصور، ولا بد أن يأتي بعده من ينقضه ويستدرك عليه. لذلك رأينا حتى غير المسلمين تلجئهم أقضية الحياة إلى أن يأخذوا بحلول الإسلام للتغلب على مشاكلهم، وهم بالطبع لا يأخذون أحكام الإسلام حبا فيه، إنما لأنهم لم يجدوا حلا في غيره. ومن هذه القضايا قضية الطلاق التي طالما أثاروا حولها الشكوك وظنوها مأخذا على الإسلام، والآن في إيطاليا يقررون الطلاق، لا لأن الإسلام شرعه، إنما لأن مشاكلهم لا تحل إلا به. وهذه المسألة توضح لنا معنى قوله تعالى:
هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون
[التوبة: 33]. لذلك سئلنا في بعض رحلاتنا: القرآن يقول:
ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون
[الصف: 9] وفى آية أخرى:
والله متم نوره ولو كره الكفرون
[الصف: 8] فكيف تم نور الله ومع الإسلام ديانات أخرى كثيرة، ما زالت موجودة، وأغلبها أكثر من الإسلام عددا وقوة؟ لقد فهم هؤلاء أن معنى
متم نوره
[الصف: 8] أن يصير الناس جميعا مسلمين، ولو كان الأمر كذلك ما قال الله تعالى
ولو كره المشركون
[الصف: 9]
ولو كره الكفرون
[الصف: 8] إذن: الحق سبحانه يقرر وجود الشرك والكفر مع الإسلام. والمعنى: أن الله متم نوره يعني مع كفرهم ومع شركهم طوال المدة، إلا أنهم لن يقدروا على إطفاء هذا النور، فسوف يظل، وسوف يتغلب على أحكامهم ويظهر عليها، بحيث لا يجدون حلا لأقضيتهم إلا في هذا النور. وقوله تعالى: ﴿ بشيرا ونذيرا ﴾ [فاطر: 24] البشير: الذي يخبر بالخير قبل أوانه. والنذير: الذي يحذر من الشر قبل أوانه ﴿ وإن من أمة إلا خلا فيها نذير ﴾ [فاطر: 24] إن هنا بمعنى ما النافية، مثل: